استخلاف أم استبدال!

141

أذكر أنه قبل سنوات كثيرة عندما كنا طلابا في الجامعة كنا نردد دعاء “اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا” لطالما رددنا هذا الدعاء ونحن مؤمنون به وموقنون أن تلك النية الصادقة وحدها كافية…كانت أوجاع الأمة تعني لنا الكثير، حتى أن أجواء الامتحانات ساعة إعلان سقوط بغداد مثلا كانت أشبه بجنازة، العام الذي استشهد فيه محمد الدرة كان عام حزن بما تحمله الكلمة من معنى، استشهاد المجاهد أحمد ياسين وبعده عبد العزيز الرنتيسي…كلها أحداث كانت تحركنا من الداخل وتحفر عميقا في وعينا ونحن بعد في سنواتنا الأولى، لم نحصد من خبرات الحياة الكثير.

الأمل في غد مشرق كان دوما موجودا، في أن القدس ستعود لأهلها وغزة ستتحرر والعراق ستعود كما كانت ونحن سنصحو من غفلتنا ونترك بصمتنا في هذا العالم.

الأمل ظل دوما موجودا يحركنا بشكل ما، مفهوم الأمة ظل حاضرا رغم تزعزعه إلا أنه ظل بمكانه، مفهوم الوطن العربي الكبير والأمة الاسلامية الواحدة كان حاضرا، أوجاع لبنان كانت أوجاعنا، جراح فلسطين جراحنا، نكبات العراق نكباتنا، آلام الشيشان الامنا، دموع الأمهات أينما وجد الظلم كانت دموعنا.

جاء الربيع العربي حاملا آمال جيل الثمانينيات والتسعينيات وقبلهم السبعينيات ليضعها على المحك، ليطير بها في الهواء على بساط من تفاؤل سرعان ما استحال يأسا وصدمة واستسلاما.

هزمنا الربيع باكرا، جعلنا نستسلم لجبروت الظلم وأدخلنا في دوامة السلبية، أفقدنا الثقة في ذواتنا وفي حلم التغيير الممكن الذي يبدأ بنا لينتقل لمجتمعنا ومنه إلى العالم …أصبحنا مجرد متفرجين لا نحرك ساكنا إزاء ما يقع في العالم…لم نعد نملك قوة للصراخ ولا للاحتجاج ولا الإيمان الكافي بأن الغد من الممكن أن يكون أفضل.

مقالات مرتبطة

اليوم عوض ان نستميت في الدعاء اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا مؤمنين به وآخذين بالأسباب لنكون جزءا من شيء جميل قادم ومن استخلاف وإعمار لهذه الأرض، عوض ذلك أصبحنا نستميت في الغرق في يومياتنا والهرب من القضايا الكبرى التي تضمن بقاء الأمم إلى القضايا الصغرى التي سرعان ما تنتهي مدة صلاحيتها.

الهرب إلى مواقع التواصل، إلى البرامج الترفيهية التافه منها والممتع، الغرق في التفاصيل اليومية الصغيرة وفي المناظرات الفارغة، ايهام أنفسنا أننا نقدم شيئا لهذا العالم بدعمنا لحدث عابر في مكان ما، بسفرنا في عمل تطوعي ما أو تركيزنا على الأنشطة الاجتماعية التي تعالج النتيجة لا السبب.

أصبح من المتعب جدا لنا أن نناقش الأفكار وأن نحاول أن نبني وعيا بقضية ما، بفكرة ما، بمشروع حضاري نتجند فيه كأنما هو مهمتنا الأولى والأخيرة.
أصابنا التعب باكرا على حداثة سن أغلبنا وأصبح الخيار الذي نتقنه صم آذاننا عن أي شيء يحدث في العالم الحقيقي كأنما انكماشنا على ذواتنا يشعرنا بالأمان أكثر او كأنما جربنا التجاهل للحظة فصار هوايتنا المفضلة.

بسبب هذا كله أو بعضه أصبح العجز ردة فعلنا الوحيدة!
وأصبح موتنا مسألة وقت فقط فكأننا متنا قبل أن نموت، كأنما صممنا آذاننا عن مقولة “لا تمت قبل موتك”، غير مدركين أننا في الساعة التي تخلينا فيها عن الأمل أعلنا أننا انهزمنا!
متناسين أن المعركة هنا ليست معركة قوى إنما معركة إرادة يخسر فيها من تكسر إرادته أولا وكأنما اخترنا طوعا أن تكسر إرادتنا أولا!

وأن هزيمتنا الحقيقية ليست ارتقاء الشهداء كل يوم او انغماسنا في مستنقع التخلف يوما بعد يوم، إنما هزيمتنا الوحيدة والحقيقية أن نكف عن الإيمان بإرادة الإنسان وأنما الأيام دول يسيرها الله كيف يشاء، لكن الفرق أن نملك الإيمان أنها ستسير بنا لا بغيرنا.
الهزيمة الحقيقية الوحيدة أن ترفع يديك قبل أن تنتهي المعركة، أن تسلم أسلحتك التي لا يستطيع أحد سلبها إياك إن لم تسلمها طواعية “الأمل والإيمان” سلاحنا الذي لو تنازلنا عنه لن تقوم لنا قائمة وكل عمل بعدها سيفقد الغاية الأولى “الاستخلاف” وسيعجل بما خفنا منه دوما “الاستبدال”.