حدثني عن حالة شبكة الربط لديك

252

ونحن نستعد لوداع الأيام المعدودات التي من الله علينا بها، أيام شهر مميز خاص، لا يوفيه حقه إلا المميزون والخواص، تبدأ عمليات حساب الربح والخسارة بالمنطق المادي المفرغ من الأسرار، والتحدث بعده بصيغة مبدأ الثبات وحفظ المكتسبات المادية، لكن رمضان أكثر من أن يكون شهر ركعات صُليت وآيات قُرأت أذكار تُليت ودريهمات أُنفقت…

يجب أن نعيد تشكيل عقولنا ونعي أن الأمر لا يتعلق أبدا بالكم والمبنى ولكن أساسا هو مسألة كيف ومعنى، فليس الأمر بعدد الركعات وصفحات المصحف التي قلبناها، بل إن الأمر يتعلق بمدى تركيزك الشديد مع كل حركة وسكنة قضيتها في هذا الشهر الفضيل، لا يتعلق أبدا بمسألة مصيرية هي الثبات بعد رمضان وإن كانت مهمة، وكأننا فقط شيدنا بناء، وأيدينا على قلوبنا تخاف من انهياره، بقدر ما يتعلق بمدى متانة وقوة ومضمون شبكة الربط (connexion) التي نسجتها مع الله، بعيدا عن المشوشات والفيروسات، والتي ستضمن صمود ذلك البناء من الانهيار، وإن كان بسيطا…
رمضان بالأساس شهر تكون قد قبلت فيه أن تبتلع الطُعم الذي أعده لنا ربنا إياه، طواعية منك وعن وعي، طُعم الاستمتاع بالعبادة مع تكفله سبحانه بتوفير جميع الشروط لتلك اللذة في هذه الأيام المحددة، طُعم لن تقدر على تذوقه فيما سوى الشهر الفضيل، فكأنك تقبل الدخول اختياريا في مرحلة تأمل وتدبر طوال شهر كامل، مؤثثة بطقوس ليس الهدف منها فقط إنجازها، بل التفكر في أسرارها ومعانيها، تجعلك تزيل الغبار عن أسرار علاقة العبدية التي تجمع بينك وبين وربك، وحينها ستعيد حتما النظر في كثير من الرواسب التي تراكمت لأشهر خلت أو لسنوات كثيرة، ويكون الأمر المنطقي بعدها أن تقدم على إنجاز انقلاب فكري وروحي في حياتك، مثل ذلك مثل كبار الشركات التي تدخل في خلوات سنوية تقوم فيها بالتقييم والتقويم وتحديد للأهداف التي من شأنها أن تحدث تغييرا…


رمضان شهر التذوق، فمن ذاق عرف ومن عرف اغترف، لكن هذا التذوق ينبغي أن يكون صحيحا في زمانه ومكانه وطريقته، وحالة نفسية مستعدة في حالة طوارئ مع سبق الإصرار والترصد. ومن مرة أخرى، لا يتعلق الأمر بكثرة التذوق ولا بكمية الدموع المسكوبة عند التذوق، لكن الأهم أن يجعلك التذوق ترتقي في ملكوت الله، ويجرك إلى المزيد…
رمضان فرصة لتحرير الروح والنفس من سطوة الجسد الذي ألف الخلود الى الارض فيما عدا رمضان، وفرصة لتغلب الروح التي تجد من المغذيات والمقويات ما ترتقي به فترتقي بالكل إلى ملكوت الله…يكون الجسد ضعيفا طوال اليوم، وتتغذى الروح بالقرآن )وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا(، وتكون النفس مهيآة لعملية التحرر والارتقاء !!
رمضان أيضا هي توبة الفرد السنوية وترتيب الأوراق، وهي توبة تُعدنا أيضا لمهمة أخرى بعدها : إنها توبة الفرد العمرية…الحج. رمضان يأتي كشهر تاسع في السنة الهجرية، وقبل الأشهر الحرم الثلاث المتبقية من السنة، وهو يمثل موعد تقييم وتقويم، لكن أيضا موعد تطهير وإعداد للمقبلين على توبة العمر في نسك الحج، فما تكاد تخرج من موسم رحمة، حتى تدخل في موسم آخر من الرحمات من لدن الرحمن الرحيم…

فإن نحن حققنا هذه المعاني التي ذُكرت آنفا، وغيرها من المعاني التي تظهر لكل واحد منا منفردا، وإن استطعنا بشكل أدق تمتين شبكة الربط الخاصة بكل واحد منا مع ربه، حيث تكون ذات فاعلية على مدى العام وصامدة ضد المشوشات وعوامل الوسوسة الداخلية والخارجية، حينها نكون قد حققنا رمضانا مميزا ليس كباقي الأشهر الرمضانية التي صُمناها في السابق، ويصبح الثبات على ما قمنا به في هذا الشهر الفضيل من باب تحصيل الحاصل…فاللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا…