إنه العيد!

279

“جاء يوم العيد ، يوم الخروج من الزمن إلى زمن وحدَه لا يستمر أكثرَ من يوم .
زمنٌ قصير ظريف ضاحك ، تفرضهُ الأديان على الناس ، ليكونَ لهم بين الحين والحين يومٌ طبيعي في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها .”

مقالات مرتبطة

هذا ما قاله الرافعي عن يوم العيد، إنه يوم طبيعي في ظل تحول الطبيعة عن مجراها وتحول الفرح إلى شعور نقتنصه عنوة من الزمن.

إنه العيد الذي قد يحمله الكثيرون أكثر مما يحتمل فيكون محطة للبكاء واستذكار الخيبات أو الراحلين، وآخرون يجعلون منه يوما للهو كأنما ما كان يفصل بينهم وبين خروج المارد المقموع طيلة شهر رمضان قد ولى بحلول العيد.

إنه العيد الذي لا يدعو لا لغلو في الانغماس في الدنيا ولا للزهد فيها، بل يسمو بالمرء من حالة السعي الدائم والتعب إلى حالة من السكينة والراحة وإن كانت مؤقتة.


إنه العيد الذي جعله الله دعوة للفرح والتآزر والتواصل وبث السعادة والتراحم بين الناس، وفرصة للاستراحة من تعب الحياة والاستزادة من النعيم الدنيوي الذي أحله رب العباد لهم في الدنيا.

إنه بسمة على وجه طفل يمسك عيديته الأولى وفرحة على وجه صغيرة فرحا بكسوتها الزهرية وضحكات تتعالى حتى آخر الليل في اجتماع أسرة بعد طول فراق، إنه زهو فتاة بهديتها في العيد وسعادة جد وجدة بركض أحفادهم بين ثنايا منزلهم الذي يضم الأبناء وأبناء الأبناء كأنهم شجرة زيتون معمرة، أصلها ثابت وفرعها من أمل يمشي على الأرض.

إنه اتصالات أول النهار وآخر الليل من الأقارب البعيدين والأصدقاء المغتربين ودعوات من الجار والرفيق والزميل، إنه تبادل التحايا والتهاني عقب الصلاة وإحياء لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بالتزاور وصلة الأرحام.

إنه جزاء المؤمن الصابر شهرا على ما أحله الله في سائر الأيام ومنعه عنه في رمضان، إنه الفرحة التي وعد بها في الدنيا وأخرى أجلت له في الآخرة.
إنه العيد الذي ليس بأي حال نهاية مرحلة وبداية أخرى إنما هو استمرار لما كان في رمضان من سمو عن المعاصي وصغائر الأمور.

إنه حضور المعاني الغائبة في غيره من الأيام، ففي العيد حق للمرء أن ينفض عنه غبار المعاتبة وطول المجافاة والمساءلة ووجب عليه السعي بالخطى لصلاة العيد استحضارا لسنة من سبقه وترسيخا لمعنى الأمة الذي يتزعزع في أذهاننا عاما بعد عام، لكن يأتي العيد ليقول لنا أن الفرح من حق الجميع؛ الصغير قبل الكبير والغني والفقير والمسافر والمقيم والسليم والسقيم، إنه اليوم الذي تضع فيه المشاكل أوزارها، كأنما هي استراحة محارب أو هدنة من معركة.

إنه تمحيص الفائز من الخاسر ويوم تتويج لمن حضي بالرحمات والمغفرة والعتق فيما سلف وحسرة على من فرط إلا إن هو استدرك ما فات.

إنه العيد يوم السرور والحبور الذي يؤكد لنا أن النفس الإنسانية تنتقل بفضل الله من حال إلى حال وأنما الفرح سنة الله في الأرض ستبقى ما بقيت الحياة.