الحي الميت..

384

يوم روتيني جديد بتاريخه واسمه، قديم بتفاصيله المملة، طويل بساعاته المُمططة.. وأخيرا انتهى، وحلت ساعة متأخرة من الليل..
أدلف المنزل مُتثاقلا بسبب تعب العمل، وتأثير المهدئات التي أصبحت السبيل الوحيد لضبط أعصابي، أرمي حذائي يمنة وجواربي يسرة، وخلفي ملابس مُتسخة مازالت مرمية في الركن هُناك، وأخرى داخل الغسالة تنتظرني لأحلمها فوق السطح، وبينهما على مغسل المطبخ أواني طبخ “مُخللة” في الماء مُنذ أيام..

أعيد نفس ما فعلت أمس، أنظر بتأفف وقلة حيلة إليها ثم أمضي مُطأطأ الرأس نحو الحمام بعدما نزعت ملابسي بعشوائية أبدع فيها يوما عن أخيه، وقد استحال المنزل فوضى بعدما طردت عاملة النظافة. فعلا أنا شخص لا يُطاق، كيف صبرت على صُراخي اليومي لسبب ولغير سبب؟ ربما يجب أن أراجع الطبيب كي يصف لي نوعا آخر من المهدئات..
أُغرق نفسي تحت المياه الدافئة المتدفقة من رشاشة الماء، يرتفع الدخان وتستحيل الرؤيا، فأغيب عن الوعي، ثم أسافر، أحلق عالياً بعدما أفردت جناحاي، والريح يُداعبهما بلطف، أميل يميناً ويساراً، قبل أن أفتح عيناي، لأجدني بين يديها، طفلا صغيراً، يخاف أن يهيج الشامبو الرديء عيناه الواسعتان، فيومها لم تكن الإمكانيات المالية مُتاحة لشراء مستحضرات لا تحرق العين..
تستغرق هي في فرك جسدي الصغير، غير آبهة بنُواحي الذي يشبه وَلوَلاَتِ الحريم. تؤنبني حينا لأني لم ألتزم بتوجيهاتها، وخرجت للشارع ولعبت بالتراب. وتُدغدغني حينا آخر واصفة الأوساخ المُتساقطة من جسدي النحيف بقطع “السباغيتي”..
نُنهي واحدة من جلسات التعذيب الأسبوعية، تلفني في فوطة خشنة، وصدري يهتز بسبب نحيبي المُتواصل، وأسناني تصطك، تضمني إليها وتخرج بي من المرحاض الذي كان مُتعدد الاستعمالات حينها، نقضي فيه حاجتنا، نستحم فيه، وتفرك فيه ملابسنا بيديها الكريمتين، فلا يملك في ذلك الزمان آلة الغسيل إلا علية القوم..

تضعني فوق السرير الخشبي المهترئ، وأنا أرتجف من البرد. لأعود من سفري الطويل، أرمي خطواتي خارج الحمام، مُجففا جسدي بفوطة ناعمة الملمس، حملتها معي من زيارتي الأخيرة لألمانيا أو بيروت، لا أتذكر التفاصيل، لكنني أتذكر جيداً أنها كانت تُصر دائما على إلباسي ذلك القميص الصوفي الأحمر، كُلما كُنا سنحل ضيوفا عند العائلة، لم أكن أكرهه لأنه خشن الملمس، بل لأنه صغُر على ابن عمي الذي يعيش في إيطاليا، وأعطته لي أمه في الصيف الماضي. وصار أقراني في العائلة يستهزؤون مني كُلما ارتديته..
أرمي بنفسي على سريري الوثير، فتتطاير ذكرياتي في الهواء، أغمس رأسي بين الوسائد القطنية هربا منها، فتجرني إليها جراً، تلتصق بي، وأجرها كحطب أم لهب..
أرمق جنبات المنزل، فأكتشف أن خُيوط الفجر بدأت تتسلل إلى جنباته لتُزاحم بؤس غيابها عنه، أجلس وكأس قهوتي في الزاوية المشؤومة، كعجوز شمطاء تُمشط ما تبقى من شعرها المُجعد. هدوء صاخب يصم الآذان، تكسره أصوات حركة عقارب الساعة الكبيرة المعلقة على الحائط. كم هي غبية هذه الآلات، تُكرر نفس الحركة دون ملل، تدور على نفس المحور، في نفس المكان، بين نفس الأرقام. دون معنى، فما الغاية من الوقت؟
فجأة ينتابني شعور خوف غريب، الساعة تشير إلى الخامسة فجراً، يا ويلتي، تأخرت كثيراً، المسكينة لازالت مُتسمرة في شرفة المنزل، تنتظر قدومي، وقلبها يكاد ينفطر لتأخري من جديد خارج المنزل.
دبت في كياني حالة من الهيستيريا والحيرة، أجول في أرجاء المنزل كديك مقطوع الرأس. ياربي، كيف سأبرر تأخري هذا؟ ماذا سأقول لها؟ وكيف سأنجو بنفسي من عتابها الطويل؟
لبست معطفي بسرعة، فتحت الباب، هرولت نحو السيارة، شغلت المحرك، فتعطل عقلي، وعجز عن التفكير. قبل أن يتسلل صوت إلى أذني هامسا: إلى أين ستذهب؟ أ نسيت أنك لم تعد ذلك المراهق الطائش؟ أنت الآن “بالغ” و”حر”، على باب الخمسينات، تعيش وحيدا منذ سنوات، انفض الجميع من حولك، لا أحد يريدك لنفسك، يهتم بك بصدق، دون أي مقابل، دون أي شروط..
المسكينة، والدتك، كانت تسهر الليالي الطوال، غير مبالية ببرد أو حر، تنتظر عودتك من سهراتك الطائشة مع أصدقائك، تتقاذفها أمواج الحيرة، وتصفعها فرضيات كثيرة، ربما اعتقل أو اختطف، أو تعرض لاعتداء من مجهول.. وحين ترمقك عيناها من أول الزقاق، تفتح الباب ملتحفة بطانيتها، وبعد جلسة من الحساب والعتاب، تُخبرك أن طعامك في زاوية من المطبخ، “تعش وإياك أن توقظ والدك، فإنه علم بقدومك متأخراً مرة أخرى سيقتلك ويشرب من دمك”..
أدير مفتاح السيارة في الاتجاه المعاكس، يخمد ضجيج محركها، وأتذكر أن المسكينة ما عاد بإمكانها انتظاري، وما عاد بإمكاني القدوم إليها، لا في ساعة مُتأخرة ولا حتى مبكرة.
أعود من جديد إلى شقتي التي استحوذ ضياء الشمس على أرجائها، وطرد صياح الباعة الجائلين صمتها المُوحش. أعد كوب قهوة بمرارة عيشي، وأجلس إلى طيفها، أتوسل إليه أن يغفر لي زلة بُعدي، أن يتجاوز عني إثم هُجراني. ألعن اليوم الذي قررت فيه الابتعاد عنها، أحتقر فيه الطموح الذي حرمني حضنها. فأراها تخرج منكسرة من المطبخ، وفي يديها بعض المنشورات تسألني إن كنت في حاجة إليها، ثم تمضي للغرفة المقابلة ترتب بعض أغراضي التي سأحملها في سفري نحو اللاعودة.. تُغالب دموعها، وتقاتل كبريائها، حتى لا تقول لي لا ترحل عني يا فلذة كبدي، فقلبي يُخبرني أن الباب الذي تهم بفتحه سيقودك إلى جحيم الدنيا، على الرغم من كونه مُرصعاً بالذهب.
يا ليتك هُنا يا أماه، لأجثو على ركبتاي بين يديك، وأعترف لك أن عناد الشباب، يقسي القلب، ويصم الآذان.. وأقول لك: أنا تُراب رجليك..