ربوا أبناءكم لزمانهم

453

عندما يرى البعض كيف تتحاور مع ابنك الذي يرفض الذهاب للمدرسة، وكيف تحاول أن تقنعه بلبس ثوب لا يحبه، وكيف تراعي مشاعره، وتستمع إليه وهو يعبر عما بداخله بكل أريحية وغيرها من التصرفات التي ينهجها بعض الآباء الذين يتبعون طرق التربية الحديثة بعيدا عن الضرب والصراخ والقمع، ينتقد طريقتك المدلِّلة التي ستجعلك تتعب مع أبنائك، ويضرب لك المثل بالجيل الذي سبقنا والذي كان يضرب ويوبخ فربى أبناءه أحسن تربية ودرسوا وتخرج منهم المهندسون والأطباء والأساتذة…

نعم تخرج الأطباء والمهندسون ورجال الأعمال والمحامون والمخترعون بل ونوابغ في الرياضيات والعلوم وشعراء وأدباء… ولكن ماذا عن نفسية هؤلاء؟ ماذا عن شخصياتهم التي يخفونها وراء الألقاب والشهادات؟ ماذا عن ذلك الطبيب الذي يتعالج بدوره عند الطبيب النفسي؟ ماذا عن المدير الذي يغتصب شغيلاته؟ ماذا عن الأستاذ الذي يضرب تلاميذه؟ ماذا عن ذلك المسؤول الذي يسير العمل بمزاجه؟ ماذا عن المثقف الذي انجر وراء الأفكار الداعشية؟ وماذا عن الكاتب الذي أدمن المواقع الإباحية؟
مجتمعنا يعج بأناس يعانون من أمراض واضطرابات نفسية يخفونها وراء أقنعة أبدعوا في تصميمها كي تظهرهم في أحسن صورة، ومع مرور الزمن صدقوها وظنوا أنهم حقا ذلك القناع وتلك الصورة التي رسموها لأنفسهم، فتاهت نفسهم وراءها… قصص كثيرة نتفاجأ عند سماعها عن أشخاص كنا نظنهم من خيرة القوم، شيخ كان يضع قناع الوقار وقع في زلة، وزوج ممن يظهر التفتح يهين زوجته ويذلها، وعاطل اختل عقليا بسبب رسوبه في مباراة، وفتاة انتحرت بسبب صدمة عاطفية، ومهندس أدمن المخدرات بعد أن تخرج واشتغل وأصبح ذا مكانة اجتماعية راقية، وذو بذلة محترم يتشاجر في الطريق مع سائق لم يعطه حق الأسبقية، وأب يصفع ابنه لمجرد أنه تحدث خلال مشاهدته لمباراة كرة القدم…

مقالات مرتبطة

كتبت لأمي..

الطريق إلى كابول


إن الأمراض والاضطرابات النفسية التي يعاني منها مجتمعنا ليست بالضرورة بسبب التنشئة غير السليمة، وإنما هي كذلك نتاج مجتمع مريض مليء بالتناقضات، وظروف غير مستقرة، وضغوط حياتية، ونمط عيش غير سليم، وانتشار أفكار سلبية، بالإضافة إلى عوامل وراثية وأمراض جسدية.
إن جيلنا المخضرم الذي عايش التغيرات السريعة التي عرفها العالم مؤخرا وعلى رأسها الثورة الرقمية، يعيش في صراع دائم مع ذاته ومجتمعه.. جيلنا الذي عاش الحياة البسيطة في طفولته وذاق حرارة العلاقات الاجتماعية، هو نفسه الذي يلاحق الأحداث في مواقع التواصل الاجتماعي ويستقبل تهاني العيد عبر الرسائل الالكترونية.. جيلنا الذي كان يتسامر مع خلانه، ويلتف حول الجدة لتقص عليه الحكايات المشوقة قبل النوم، هو نفسه الذي يخوض غمار الحياة وحيدا.. جيلنا الذي لعب في الزقاق وحلق بطائرته الهوائية في السماء هو نفسه الذي أصبح أسير شاشته الصغيرة.. جيلنا الذي اجتمع على الوجبات العائلية البسيطة، هو من يملأ جوفه بالمصبرات والوجبات السريعة.. جيلنا الذي دخل بيوت الجيران وذاق طعامهم، يعيش الآن غريبا في محيط سكنه.. جيلنا الذي كان يذهب لمدرسته مشيا على الأقدام بكل هدوء واطمئنان، يعيش الآن على إيقاع السيارات والقطارات والطائرات..
جيلنا يعيش حياة غير تلك التي تربى فيها وعليها، وهناك من استطاع أن يخلق توازنا في ظل الحياة الجديدة، وكثيرون لم يستطيعوا الصمود أمام هاته التغيرات، ولا أن يتأقلموا مع نمط العيش الجديد، ولا أن يواجهوا ضغوط الحياة.. فتعرت أعطابهم واتسعت ثغرات شخصياتهم، فأصبحوا يصارعون الاكتئاب ويعانون من التشتت الذهني ويدمنون الالكترونيات، ويستسلمون للقلق، وغلبتهم الماديات حتى جفت روحهم… فإذا كان هذا حالنا فماذا عن أبنائنا وما ينتظرهم من تغيرات وإكراهات؟
أظن أنه من واجبنا تحصين أبنائنا أضعافا مضاعفة حتى يتمكنوا من العيش في سلام وسعادة، فنحن لسنا بحاجة إلى نوابغ بقدر ما نحتاج إلى أناس أسوياء قادرين على البذل والعطاء. لا أريد أن أخرج طبيبا ولا عالما ولا مهندسا بقدر ما أريد أن أربي انسانا متوازنا، يعرف ذاته حق المعرفة، يتقبل ذاته ويثق فيها ويستوعب قدراتها، يعرف كيف يضبط عواطفه وانفعالاته، يتقن فن التكيف مع محيطه، قادر على تحمل مسؤولياته ومواجهة ضغوط الحياة، يتقن العيش بهناء وسعادة روحية بعيدا عن الضوضاء التي تحيط به. وصدق من قال: ” لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”