مائة عام من الظلم!

177

- الإعلانات -

استيقظت هذا الصباح على صوت بكاء يوسف، جارنا الصغير، وظبت هيئتي وخرجت أستفسره عن سبب البكاء، فأجابني أنها معلمته أبرحته ضربا في الصف بسبب ذنب لم يقترفه رغم أنه أقسم أيمانا أنه بريء، إلا أنها عاقبته ليكون عبرة لباقي التلاميذ، أشفقت عليه فحملت نفسي نحو المدرسة لأتحدث مع معلمته. عند وصولي، دلني الحارس على المعلمة، كانت تجلس بجوار زميلاتها يتبادلن أطراف الحديث، استحييت نداءها فآثرت أن أنتظر انتهاء حديثهن، سمعت بغير قصد المعلمة المعنية تحكي عن معاناتها مع زوجها المتسلط، الذي يلقي الذنب عليها في كل مشكلة تحدث بينها وبين عائلته، لا يستمع لشكواها وحتى إن استمع لنسختها من الحكاية لا يصدقها، ختمت حين رأت سيارته قادمة ليقلها للبيت، قائلة: فليحشره الله مع الظالمين. استدرت لأرى المحشور، فإذا به زميل قديم لي فرقتنا الأيام ولم أره منذ ذلك الحين. لمحني، فابتسم وأقبل نحوي فرحا بلقاء الصديق القديم وأنا لم أكن أقل منه سعادة. تحدثنا مطولا عن العائلة، العمل وأحوال الحياة؛ فبدأ يشتكي من رئيسه في العمل، على حد قوله، هو رجل لا يخاف الله، لا يرحم أحدا، يعامل العمال على أنهم آلات، كل ما يهمه هو مردودية شركته وليحترق الإنسان. سألته مستغربا أليس هذا المدير هو فلان الذي استضيف في برنامج الأسبوع الماضي، حرك رأسه بالإيجاب، أليس هو من كان يتحدث باسم المظلومين، يشتكي من تضييق الحكومة على القطاع الخاص، وسوء تسيير المسؤولين لشؤون أمثاله المساكين؟ ضحك ساخرا: هو ذاك بعينه، اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.

كنت أنا في دوامة من التفكير حين استأذن هو كي لا يتأخر عن ”المدام”.
من منا الظالم ومن المظلوم؟ إذا كنا نحن أولئك المظلومين الذين تجرعوا مرارة الذل والقهر وقلة الحيلة، لماذا نصر على أن نجعل الآخرين يعيشون نفس الألم؟

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي


ربما لأن لا أحد منا تجرأ على الوقوف أمام المرآة لمواجهة ذاك الظالم الذي بداخلنا قبل أن نعيش دور المغلوب على أمره. نبكي و ننوح ونستشهد بالآيات والأحاديث، نرهب بها الظالم ونستحضر رقابة الله لنا على الدوام، لكن ومع أول فرصة نحصل بها على سلطة، مهما كانت ضئيلة، نبطش بدورنا بمن هم تحت رعايتنا، ننحرف عن الطريق، ننسى كل ما عشناه من ألم ونضرب بعرض الحائط كل المبادئ والأخلاق ونبدأ رحلة النمرود الصغير..
هذه ليست دعوة للسكوت عن الظلم بحجة أننا كلنا ظلمة لأنفسنا أولا، لكن هذه دعوة لكي لا تعمينا أفعال الآخرين عن أخطائنا، لذلك وقبل أن تشتكي من ظلم الآخرين لك راقب نفسك وواجهها: هل تظلم أنت أحدهم؟ إذا كنت كذلك، اعتذر وأعد الحق لذويه. وإن لم تكن فكلنا معك وهنيئا لك بنصرة عاجلة من الله في الدنيا والآخرة.
تذكرت يوسف، علي أن أعود لأعتذر له باسمنا جميعا، لكنه لم يكن موجودا بالجوار. بحثت في كل مكان، لأجده أخيرا يلاحق جروا أعرجا بالحصى..

- الإعلانات -