حقارة الإساءة

2٬479

- الإعلانات -

في الوقت الذي كنت أنتظر فيه الضوء الأخضر، اتجهت نحوي سيارة مسرعة من الجهة اليسرى وكأن سائقها قد فقد سيطرته عليها … ثم تدارك الأمر في آخر لحظة على بعد سنتمترات قليلة مني.
كنت حينها في حالة نفسية لا تسمح لي بتلقي صدمة أخرى كحادثة سير مثلا … مما جعلني أتحدث معه لا إراديا بطريقة عدوانية فيها نوع من الاستهزاء على الطريقة البهلوانية التي يقود بها سيارته. أفلتت مني بعض الكلمات الجارحة التي تلقاها ذلك الرجل الخمسيني ذو اللحية السوداء لمدة وجيزة دون ردة فعل … تمالك نفسه لمدة قصيرة لم يتفوه خلالها بكلمة ثم ردد بعض الأذكار لبضع ثوان ثم قال: اسمحلي سيدي … أنا مخطئ … لا أدري ما وقع ولكني لم أتحكم في السيارة … أعتذر منك كثيرا … الحمد لله على لطف الله … أظن أنه لم يقع هناك مكروه.

قلت له بأني بخير … أحسست بحقارة نفسي عندما قابل قسوتي بمنتهى الليونة والاعتذار والاعتراف بالخطأ … ثم نظر إلى أصدقائه الذين كانوا يرتدون الأقمصة البيضاء وقال لهم مبتسما: سندعوا له في الصلاة لعله يسامحنا وكأنه يريد عمدا أن يرش المزيد من الملح على الجرح … قلت له مبتسما: ادع معي بأن أكون بأخلاقك فقط!
حاولت أن أحلل الموضوع … لماذا تصرفت معه بتلك الطريقة؟ ولماذا استطاع هو أن يتحكم في أعصابه بعدما سمع مني كلاما نابيا جارحا بينما لم أتحكم في أعصابي لسبب بسيط: كاد أن يخدش سيارتي … وماذا بعد؟ أيستحق الأمر أن أقلل من شأن إنسان آخر لأنه أخطأ؟
بمجرد البداية في التفكير في أصل المشكل يتبين بأني لم أنفعل لهذا الحادث طبعا … بل كان فقط القطرة التي أفاضت الكأس أو القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقول العرب.
أعدت ببطء مسلسل اليوم في ذهني، فأدركت أني قضيت ساعات طوال تحت ضغط نفسي قوي ومستمر في العمل تخللتها بعض الأحداث السلبية كسوء تأويل أحد الأشخاص الذي أعمل معه ومكالمة متوترة مع أحد أفراد العائلة ومحادثة هيتشكوكية مع أحد الناس السلبيين الذين يؤمنون باقتراب نهاية العالم في المغرب قريبا جدا في يوم كان فيه ازدحام شديد في الطرقات ورنين متقطع للهاتف لم أرد على نصف ما ورد فيه من مكالمات.
انتهزت أول فرصة، شعرت فيها بأني في موقف قوة وبأني قادر على التعبير عن سخطي لأن خطأه كان فادحا، لكي أنهال على الشخص ذي اللحية الطويلة بعصارة الطاقة السلبية التي كانت بداخلي كوسيلة لتفريغ المكبوتات الدفينة التي جمعتها طوال اليوم … عكسه تماما … يبدو من مظهره بأنه يقوم بتطهير نفسه باستمرار … يبدو أنه لم يتأثر كثيرا بما قلت وأنه وجد لي العذر أو أنه تذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يتمالك نفسه وقت الغضب … أو أنه تغافل عن الموضوع لأنه لا يستحق … أيا كانت دواعي موقفه فقد أحسست حينها بالحقارة!
في اليوم الموالي، في واقعة غريبة من صنع الحياة، حدث لي ما حدث لصاحب اللحية الطويلة … بينما كنت راجعا إلى البيت على الساعة التاسعة ليلا، فإذا بأحد الجيران يخرج من بيته ويبدأ بالصراخ لأنه يرى أني أمر دائما بسرعة بجانب منزله … يصرخ بصوت مرتفع لأن له أطفالا قد يخرجون من البيت في أية لحظة … بدأ بعض الناس يطلون من شرفات المنازل لكي يتحسسوا ما يقع … يصرخ بهستيرية ويقول بأنه يعرفني جيدا وأن هذا العمل لا يليق بدكتور والكل يسمع … تذكرت صاحب اللحية الطويلة وتذكرت كيف شعرت عندما استسلمت لغضبي … قلت له: أنا أعتذر وأن هذه الطريقة ليست سليمة في قيادة السيارة في أزقة ضيقة … بدأ ينظر إليّ باستغراب … فهمت شعوره … قلت له بأننا جيران وهذه ليست طريقة مناسبة لكي نتعرف على بَعضنا وأنني أدعوه ليشرب معي شايا مغربيا في بيتي لكي أكفر عن خطئي … ابتسم وقال لي: لا، شكرًا يا ولدي … قلت له أنا آسف فعلا سيدي … أصلح الله لك ذريتك … قال لي: الله يزين الجورة … تعارفنا … وافترقنا بسلام.
لم أحس بالحقارة التي أحسست بها بالأمس …
ربما يحس بها هو الآن …
ربما سيفعل نفس الشيء مع إنسان آخر …
تذكرت صاحب اللحية الطويلة … ودعوت له كثيرا.

- الإعلانات -