الهند .. و عواصف أخرى…

129

- الإعلانات -

أقضي حاليا أشهرا من العزلة في بلاد الهند، وأكتشف يوميا كم هو مخيف تمرين الانقطاع عن المألوف من الحياة. لا تدع الهند لعقلك لحظة راحة، وكذلك حال جميع الأسفار البعيدة والتجارب الجديدة. كل الميكانيزمات النفسية والعضوية تشتغل بعناد منقطع النظير على إعادة الجسم إلى حالة الاستقرار والتوازن التي كان عليها قبل القذف به في هذه البيئة الغريبة…الماء، والهواء، واللغة، والخضر، والفواكه، والتعابير، والتقاليد، والأعياد، والآلهة، والرسل، ولون السماء ووجه القمر وحتى اتجاه الطريق غريب ومختلف هنا في الهند …

تطبعت بيئتنا الداخلية بما عرفته منذ الصغر وبما ورثت من آبائنا وأجدادنا دون أن تعرف. لوعينا خانات، ورفوف، وأقسام، وشعب وفروع يعرفها عن ظهر قلب ويصنف بها كل جديد تلقائيا حسب معايير وقوانين مألوفة بمهارة ولامبالاة من فعل ذلك آلاف المرات، لكن عندما نتعرض لحوادث وأفكار وأماكن تتعارض مع ما ترسخ في أذهاننا فهي تفسد علينا كل هذه البراعة والحرفنة.
 
أول ما يفعل عقلنا عند ذلك هو الرفض البات والقاطع والنهائي لهذا الغازي الجديد…أذكر عند الخروج من مطار دلهي في أول زيارة لي غصة في حلقي ورغبة غريزية بالمغادرة على متن نفس الطائرة التي قدمت بها، فقد اعتدت ألا أسافر مع وكالات أسفار ولا مع الأصدقاء، حتى أني أحرص على عدم الاطلاع على مواقع ومدونات المسافرين إلى وجهتي على النت كي يكون لقائي بها تجربة عذراء؛ يأخذ عقلنا الفكرة الجديدة ويضعها في كيس نفايات نووية ويلقي بها بكل قوته عند حد بصره ويشيح عنها بصره!…لأن ما يحدث حين يضطر اضطرارا للتعامل معها يتطلب منه جهدا وتضحية لا طاقة له بها.
يبدأ أولا بالمقارنة والعقلنة والتبرير كي يجد للجديد مكانا دون المساس بنظامه الداخلي الآمن، فإن لا سمح الله تفلتت منه بعض الأفكار والتجارب الجديدة المتناقضة مع ما يحمل وتسللت إلى حصن معتقداته وعاداته المنيع يحدث ما يدعى بتصارع الأفكار أو cognitive dissonance، كأنه فتح النافذة لعاصفة هوجاء تبعثر كل أوراقه وتدعه يقلب كفيه حسرة على لحظة التهور المشؤومة التي أفسدت عليه راحته…
 
لا يعد ولا يحصى عدد الآلهة التي يتعبد لها الهنود، لا يخلو بيت واحد من معبد صغير أو pooja به صورة المعبود وورد وشمع، حتى العلمانيون منهم تجدهم يتعبدون لصورة المقاوم فلان أو البرلماني أو الفيلسوف علان…كيف لقوم تشتتت قلوبهم هكذا أن يعيشوا استقرارا روحيا ونفسيا وأسريا وسياسيا وكيف تستوي أخلاقهم وتعاملاتهم وهم لم يجتمعوا حتى رمزيا ويوحدوا الذات الداخلية فكيف بالخارجية .. كان ذلك صراعي لوقت ما قد بررته وأكدت صحة معتقدي عشرات المرات قبل أن أستسلم بعد احتكاكي المطول مع أصحاب هذه الأرض لفكرة أن شعبا تعدد ولاؤه يستطيع التعايش والتعاون والتلاحم وأن هوية دينية موحدة ليست بالضرورة ما يجمع و يصلح.
 
ما يتبع منطقيا مراجعة أوراقنا الداخلية هو مراجعة تصرفاتنا واختياراتنا وقراراتنا اليومية. لا تبقى تعاملاتنا ميكانيكية محفوظة بل تصير واعية لتتكيف مع ما حولنا بشكل لم نعهده. أي مجنون هذا من قد يتمتع بمشاهدة العالم حوله يتلون ويتلوى حسب فكرة اليوم أو درس البارحة، حسب تجربته في سري لانكا أو غانا أو كتاب قرأه عن اقتصاد اليابان أو تاريخ الإنكا أو فلسفة الصين أو محاضرة حضرها عن فيزياء الكم أو حسب زلزال أصاب كيانه وهو يشهد ولادة أو انتحار أو طلاق عزيز …قليلون جدا من لهم شجاعة المشي على ذلك الخيط الرفيع دون شبكة حماية تتلقفهم إن زلت بهم القدم وفقدوا توازنهم “ماذا سيقولون عني؟! أني أبدل آرائي كما أبدل قمصاني، أن ليس لي ثوابت وأني أميل ميل الريح مع العواطف والأفكار” وتلك العبارة المغربية المرعبة: “الله يخلينا فصباغتنا” التي تجهض غالبا ولادة إنسان أنضج وأصدق، إنسان متصالح مع فوضاه الداخلية ومستعد للتعامل البناء مع مخاضاته الروحية بصبر وشجاعة ليولد مع كل لقاء جديد مع الحياة إنسانا أكمل…قليلون ولكنهم موجودون، و هذه الفئة من الناس هي من تحمل مشعل التغيير والتطور في كل المجتمعات.

- الإعلانات -