الإرهاب العالمي الجديد

550

- الإعلانات -

أتذكر ذلك اليوم جيدا … حينما دخلت والدتي إلى غرفتي المظلمة لتخبرني بوقوع هجمات على مركز التجارة العالمي في نيويورك … ساعتها كنت من أشد المتابعين للأخبار العالمية، محملا بالكثير من المشاهد الدموية التي كانت تعاني منها الكثير من الدول التي نتقاسم معها التاريخ واللغة والدين، الحرب على العراق الأولى، الحرب على أفغانستان، احتلال فلسطين إلى ما غير ذلك من المآسي التي كنت أتابعها وأربطها ببلد العم سام الذي كان في كل مرة يدعم حربا أو يسكت عن ظالم أو يعين على ظلم.

أسرعت نحو التلفاز لكي أتأكد من الخبر.
كانت هذه أول مرة أشاهد فيها نوعا آخر من البشر يحرقون ويموتون ويصرخون ويعانون … ونوع آخر من الأرض تدمر وتنسف.
الرجل الأبيض يعاني في عقر داره وسط ناطحات السحاب، وهذه المرة يترجم النواح والبكاء والعويل من الإنجليزية إلى العربية وليس العكس … الإخراج الهوليودي المحبوك الذي ضحى ببرجي التجارة العالميين استحمر حينها العالم كما يستحمره في الكثير من الأفلام التي تطبخ بعناية في المختبرات السنمائية، وجعل الشعوب العربية تظن بأن الولايات المتحدة حوصرت في عقر دارها وأنها تؤدي ثمن الإرهاب السياسي والاقتصادي الذي تمارسه على الكثير من الدول.

 
كانت الغاية من هذا الهجوم على مركز التجارة العالمي، كما اتضحت الأمور فيما بعد هو صنع عدو عالَمِي تنتعش منه التجارة العالمية أي تجارة كبرى الشركات العالمية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الرهاب أو الفوبيا من كل ما هو إسلامي، أي كل ما قد يأتي من هاته الدول المنتجة للغاز والبترول المحيطة بالدولة الصهيونية الصديقة، وهي في نفس الوقت أكثر الدول قابلية للاشتعال والاقتتال، وأكثرها استهلاكا للأسلحة البرية والجوية والبحرية وأحوجها إلى قواعد عسكرية أجنبية لحفظ “الأمن”و”الاستقرار”و”الديمقراطية” في المنطقة.
 
هذا اليوم كان مفصليا في تاريخ السياسة العالمية. أحداث الحادي عشر من شتنبر هي الصعقة الكهربائية التي سمحت للعقل الجماعي العالمي بتقبل مصطلح “الإرهاب” بمفهومه “الإسلامي” الجديد، فبعد هذا التاريخ كثرت الانفجارات واستهدفت السفارات والقطارات والأماكن العمومية في الدول الأكثر أمنا وازدهارا باسم أحمد ومحمد!
هذه السلسلة من العمليات مهدت، بعدما تقبل الأوروبيون والأمريكييون فكرة أن هناك من يريد إبادتهم باسم الدين والقضاء على الحضارة الأورو-أمريكية المبنية على اللادين، للتدخل العسكري في سياسات الدول وإعادة تقسيمها وخلق دويلات جديدة وشرق أوسط جديد وجماعات “إرهابية” جديدة وأحزاب جديدة وربط الإسلام بالإرهاب ونهب الثروات وإطفاء الثورات أو توجيهها … قمنا بابتلاع حبة “محاربة الإرهاب” بسهولة، وأصبحنا نرددها دون وعي وبدون علم بل وأصبحت شرطا لا تستوفى إعطاء القروض والاستثمارات الأجنبية إلا بِه … كنّا قبل الحادي عشر من شتنبر نتابع أخبار فلسطين وحدها… فإذا بِنَا نتابع أخبار فلسطين وإحدى عشر دولة أخرى منذ ذلك التاريخ: العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر والسودان وليبيا ومالي والصومال ونيجيريا وبورما … والبقية تأتي ما دمنا نحارب الإرهاب في صف الإرهاب.
 
الأمر الذي بات واضحا للعيان انطلاقا من اعتقال نشطاء في العديد من الدول بتهمة الإرهاب، وَمِمَّا يشهده العالم بشكل عام بدءا بحصار قطر لأنها تدعم الإرهاب، وحصار غزة لأنها موطن الإرهاب، وتخريب سوريا والعراق للقضاء على الإرهاب، والانقلاب على اختيار الشعب المصري لأنه اختار رئيسا إرهابيا ومحاولة الانقلاب على الرئيس التركي الداعم للإرهاب؛ هو أن مفهوم الإرهاب لكثرة استعماله في غير محله جرد من كل مفاهيمه وأصبح غير مفهوم أصلا وتافها وساذجا، يلصق في كل وقت وحين لكل شخص غير مرغوب فيه ليرمى به في السجن بتهمة الإرهاب لدرجة أن يصبح كل إنسان فوق هذه الأرض مهددا بتهمة الإرهاب لأنه في يوم من الأيام أبدى رأيا في مفهوم الإرهاب لا يناسب تعريف هذا المفهوم الذي أريد له أن يبقى غير مفهوم.
 
هناك مقولة مشهورة في علم الجرائم: “إذا أردت معرفة المجرم الحقيقى فابحث عن المستفيد من الجريمة” … أظن أنه لا يتجادل اثنان حول المستفيد من سلسلة العمليات الإرهابية التي طالت العالم منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى حد الآن … الكل يعلم من يستفيد وإن كان السيناريو والإخراج الهوليودي للهجمات يصوره على أنه الضحية.

- الإعلانات -