بقية نبض

203

- الإعلانات -

كثيرون هم من يستسلِمون عند أولى العَقبات ويَسخطُون عند ألَم صغيرٍ جدَّا. فيلعَنون القدر وسخف النَّصيب.. مرضَى السَّرطان ألمُهم أكبر، أنِين وآهات مُوحِشة، جُفون مُثقلة بالتَّعب، غُيوم كدر تَكتسي سماءهم أبت أن تتبدَّد، جَعلت كل ما في النَّفس حُطاما ورَماداَ. بالمُقابل، توقِظ فيهم رغبة طَرد ذاك الرَّماد بزفرة راحة، يجزِمون أُفول آلامهم يوما كأنَّها لم تكُن.

أثناء بحثي، وجدتُ في مُنتدى إِلكتروني مذكرات يومية لشاب مصاب، فروى ما حَصل معه وعَما كان يُخالِجه. وكان ممَّا كتب:

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي

»الوقت ينهش أضلعي وصحتي
الشراشف البيضاء ملت استلقائي فوقها
حتى الإبر امتعضت من طعم جسدي
وكأني أنظر لها تمسح لسانها عقب كل إبره تخترق يدي
هل اكتفيت!
أم لا زال هناك جزء من جسدي لم تلمسيه!
أتراكِ أشبعت غرورك واكتفيت! أم لم تنتهي!
ولكن لا يزال بالقلب بقية نبض
ولا زال هناك أمل يشع
ولازلت أنظر إلى باب لم يغلق. «
من منا لم يسمع بقصة “اسماعيل” المُحارب القوي جدّا، اشتَكى الألم وقساهُ وحيدا وتخطَّاه وحِيدا أيضا. أحسسنا بألمه وحجم مأْساته من خلال ما كان يُدوِّنه، وكان من النَّاس من اتَّهمه باستغلال مرضه بهدف الحُصول على الشهرة، فقط لأنه كان نشيطا على الوسائط الالكترونية لبثِّ الأمل في نفوس من يشاطرونه نَفس الألم.
الجَميلة الصَّغيرة، الملاك “عبير”، غنت في تدوينة مرئية « les yeux de la Mama » حبَّا في والِدتها وامتنانا لها على كلِّ شيء، احتضانُها لها وتكبُّد عناء مرض صغيرتها بالسرطان بلا كلل ولا ملل، الأمّ التي كانت تطفئ ذاك القصْف الرَّهيب في جسد ابنتِها وتُخفِّف فيه المرَار.
وغيرُهم من المُحاربين: علي بنات، شيماء العيدي، حمزة اسكندر، نوال الغامدي… كلهم كانوا كُتلا من الإِيجابية والروح الطيِّبة رغم أن غيرهم  كان ليطعن في عدل الله والإصابةُ بالقُنوط.
هذه شهادات حَقيقية أخذتها ممَّن يحملون ألم السَّرطان بين الضُّلوع، لِمن أُثقل كاهِلهم به، أو من طرف قريب لهم. لمن عاندوا قسوة القدر فَانتصروا، وآخَرون حاولوا لَكن لم تَكن باليد حِيلة، فغلبهُم المرض.

 

- الإعلانات -

“اكتشفتُ مرضي به وأنا في السّتينيات من عمري، توقف الزمنُ حينها، كانت لحظة نفَاذ حيلَة، صبر. السّرطان شتّتني. والجميل أني لم ألق بسلاحي! كيف أفعل وأنا التي كوَّنت نفسها وحيدة، أنا التي تحديت تقاليدا مُتزمّتة، واجهتُ تسلُّط أب، تعجرف إخوان وفَقد متكرّر. فلم أترك للسرطان منفذا ليطويني. أقطعُ أكثر من ألف ومئة كيلومِتر طلباً للعلاج في مدينة أُخرى، حصصُ الكيماوي قاسيةٌ جدا، الأمر أشبه بحقن السم في الدم! بعد كل حصة كنت أشعر بالخُمول والتعب، ألم رهيب يخترِق كل ذرة من جسدي المنهك. كنت أرى الحياةَ بعد السّرطان وهما وكنت أشم رائحة الموت الوشيك. لكني والله وله الحمد شفيت. كانَ بإمكاني إنْكار فضل الله ورحمته والتشكيك في عدله، لكني لم أقل يوما: “لم أنا؟”. بل على خلاف ذلك، أنا ممتنّة له جدا، فقد أبان لي عن كميّة حب كنت غافِلة عنها”
“كان أبِي رجلا يعيش مليئا بالحَياة، قويٌّ صامد. طيب ينشر الحب بيننا، مغرمون به جدا. عشنا في سلاَمٍ تامّ حتى أعلن السَّرطان حربه على أبي. قام بالكثير من العمليّات لكن دون جدوى! تِلك اللعنة كانت قد قطعَت شوطا كبيراً في جسده واستحال العلاج، مع كاملِ الأسَف. تدمَّرنا، كسرنا، وخيمت الكآبةُ على قلوبنا ونفوسِنا. رغمَ ماكان عليه، إلا أنه دوما ما يطبطب على قلوبنا ويضفي عليها فَرحاً بابتسامته.كان أباً عظيماً جدّا! عاش الأشهر القليلةَ في عَذاب شديد إلى أن طوته يد الأجل، وعلى سريره بقايا آهاتٍ أطلقها قبل الرّحيل. خنقت الروح في داخلنا ولم يعُد في نفسنا عزم ولا همّة. أبي سيأتيه النّعيم عذبا زلالاً، أعلم. لكنكَ حطمتنا يا سرطان”
“كانت كلُّ أحوالي جيدة جدا، أعمل في منصب راقٍ داخل معمل. كان هناك طبيب يزورنا بشكل دوري ويفحصُ كل العامِلات هناك، منه تلقيت نبأ إصابتي، قُلبت كل الموازين حينها. تلقيت إلحاحا على إجراء عملية مستعجلة، تجرعت المرَار، بقيت أياما عِدة أفترشُ الأسِرَّة البيضاء. أجريتُ عمَلية فاستئصلت الثديين معا. بعد علمه بالأمر، تخلى عني زوجي في عز حاجتي إليه وتركني أغوصُ في هذه الأوحال وحدِي، أستجمع قِوايَ الوَهنة. زادني سرطان اللثة همّا أكبر، أجريت عملية شوهت ملامحي المتعبة. تكبدت المصاريف، النقل، الإرهاق وَحدي. الآن، هذا السم قد غزى كل جِسمي. حصَّنت نفسي بالأمل، أنثُر علي التَّعاويذ لكن السرطان سلب مني راحَة المَنام”
لربّما، لم يخطُر في بالنا يوما أن مريض السَّرطان يحسُّ بالخَجل أمام الأصحَّاء، بالجنون تجاه تلك الشفقة اللئيمة، بالالتواء من فرْط الأوجاع. ويعيشون على إيمان بأن “الحياة تستحق المجابهة مهما كلّف الثمن”
مَدافنُ السرطان، هي بالفعل مدافن. تقبُر المريض تسلب منه الراحة والحياة، يعلوه الأسى لكن يحصن نفسه بكلمات مَليئة بِالأمل. مدافِن لا يَنجو منها إلاَّ القويُّ الصَّامد وبتوفيق إلهيّ.

- الإعلانات -