أصل الحروب.. كلمة

92

- الإعلانات -

لا يمكننا التحكم في طريقة تأويل الناس لأفكارنا، لكننا بالمقابل يمكن أن نتحكم في الكلمات والنبرات التي نختارها من أجل التواصل معهم… السلم بني على الفهم، والحروب بنيت على سوء الفهم…لا تقلل أبدا من سلطة الكلمة، أو تطلق الكلام على عواهنه. كلمة في غير محلها، أو كلمة أسيء تأويلها، يمكن أن تغير معنى جملة بأكملها وتشعل فتيل حرب. وكلمة واحدة في محلها، أو كلمة “طيبة” يمكن أن تضمن لك النعيم وتفتح لك أبوابا على مرصعيها.”

إن مقولة الكاتبة الأمريكية من أصول مصرية، سوزي قاسم التي جاءت في كتابها “Rise up and salute the sun” تنطبق على كثير من الأمثلة التي يتحول فيها معنى الكلمات إلى المعنى المضاد بسبب سوء فهم أو تأويل خاطئ من طرف مخاطبنا، ولم لا بسبب غفلة أو لامبالاة منا لاختيار الكلمات المناسبة أو تركيبها بطريقة أنسب؛ حيث تتسبب كلمة واحدة في إيقاد الصراع بين أفراد، وجماعات، ومؤسسات، ودول أيضا.
التواصل في تعريفه السيكولوجي، هو عنصر من عناصر التفاعل الاجتماعي، والذي يتميز بعملية دينامية يتم من خلالها تبادل الأفكار والخبرات والمعارف والمشاعر أيضا بين أفراد المجتمع، بطريقة شفهية أو مكتوبة أو عن طريق الرموز، إلا أنه في كثير من الحالات يزيغ فيها التواصل عن غايته ليؤثر سلبا على العلاقات بين الأفراد، فكم من حبال ود مزقناها بسوء فهم؟ وكم من جسور محبة هدمناها بسبب كلمة؟ وكم من فتيل خلاف أشعلناه بسبب تأويل خاطئ؟ وكم من أحكام أصدرناها بسبب تحوير معنى؟
إن التطور الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة أثر على نحو كبير في نمط العلاقات التي تربطنا بالآخرين، ابتداء من أفراد الأسرة النووية أو الكبيرة، ثم الأصدقاء وأخيرا الغرباء الذين نقابلهم على هذه المنصات التي ساهمت في تحويلنا من أفراد اجتماعيين “واقعيا”، إلى أفراد اجتماعيين “افتراضيا”، تحول لم يمس مفهومنا للمعايير والقيم والروابط الاجتماعية فقط، لكنه أثر على طبيعة اللغة المستخدمة في تواصلنا مع الآخر، حيث صارت أغلب محادثاتنا الافتراضية مقتصرة على ما قل ودل من الكلمات، كلمات نرسلها من وراء شاشات هواتفنا أو حواسيبنا بطريقة أوتوماتيكية، قد تكون صادقة، لكن قد تكون جوفاء، خالية من المشاعر أحيانا.
 
إن منح الحضارات الإنسانية والديانات السماوية الكلمة الطيبة مكانة عظيمة لم يحصل بمحض الصدفة، ولكن للتأثير النفسي والسلوكي الذي قد تخلفه كلمة واحدة لدى الإنسان؛ حيث أثبتت دراسات في مجال علم النفس أن للكلمة الإيجابية تأثيرا على الجانب النفسي والسلوكي للأفراد، فبالإضافة إلى مساهمتها في تحسين صورة الفرد عن ذاته ورفع ثقته بنفسه والتقليل من نسبة التوتر لديه، فهي تسهم إيجابا في تنمية علاقاته مع الآخر، وسواء كانت الكلمة المستخدمة منطوقة أو مكتوبة فالنتيجة تكون واحدة.
اليوم، لم تعد جودة العلاقات تقتصر على الحفاظ على الروابط الاجتماعية مع الآخر فقط، ولا تنحصر في السؤال عن هذا الأخير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى لقائه كلما سنحت الفرصة لذلك، وإنما تتحدد في القدرة على تعلم قواعد التواصل الحديث والحرص على اختيار الكلمات وتضمينها بمشاعر قادرة على السفر عبر العوالم الرقمية لتصل إلى مخاطبك كما أردت لها أن تصل، متفاديا كل سوء فهم أو تحوير للمعنى.
لذا يمكن القول على أن التواصل أصبح يشكل تحديا حقيقيا أمامنا كمستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي، ففي الوقت الذي تشكل فيه تعبيرات الوجه والجسد ونبرة الصوت محددات معيارية في المحادثات “الواقعية”، والتي تعمل على تعزيز الخطاب الموجه للآخر، فهي تغيب عن محادثات العالم الافتراضي، لتبقى الكلمة وحدها في مواجهة مع المتلقي، الذي قد يفهمها في سياقها، أو قد يعطيها تفسيرات أخرى حسب الظروف المحيطة به.
أؤمن أن التواصل هو تلك الآلية التي تمنحك شارة الدخول إلى عالم الآخر والخوض فيه والتعلم منه والتعايش معه، لكنه يبقى رهينا بدرجة الانفتاح على الآخر، وتقبل آرائه وقيمه ومعتقداته بعيدا عن الأحكام المسبقة و”البعدية” أيضا، لكن كل ذلك لا يتم إلا بحسن اختيار الكلمات. لذا أجد أن للكلمات قدرات سحرية، إن أحسنا وضعها في المكان المناسب سنضمن أثرا كبيرا في عقول وذاكرة مخاطبينا، لأنها ببساطة تختزل المعنى وحرارة المعنى والمشاعر المضمنة في المعنى أيضا.
الكلمات امتداد لأرواحنا في الكون، رسل نرسلها لتتمرد على القانون الزمكاني، لتقطع آلاف الأميال وتلتقي بأرواح مخاطبينا في الطرف الآخر من المدينة، البلد أو العالم، لذلك كلما حرصنا على الانغماس بمشاعرنا ونحن نحدث الآخر، كلما ضمنا أن رسول روحنا لامس روح الآخر.
أصبحت الكلمات مرآة أرواحنا في العالم الافتراضي، أثرها هو صورة مرئية عن ذواتنا وما نحمله في أعماقنا، تختزل آراءنا وقناعاتنا ومعتقداتنا، الكلمات هي انعكاس لنمط تفكيرنا ومحددات لمعالم شخصياتنا وهوياتنا في هذا العالم المكتظ، الكلمات روائح… منها ما قد ينعش أرواحا ومنها ما قد يجعل أرواحا أخرى تنفر…. لذا فلنحسن اصطفاء كلماتنا قبل بعثها للعالم.

- الإعلانات -