خارج التغطية

348

- الإعلانات -

بمجرد خروجي من الرباط نحو بعض القرى أو الأماكن الطبيعية العذراء الخالية من المهيجات، يتسرب إلى إحساس بشيء من الراحة.. مهيجات لا يكاد أحد يسلم منها، وقد لا نعيرها اهتماما في الوقت الذي نكون داخل معمعة التيه: صوت محركات السيارات، ورنين الهواتف النقالة، وصراخ معلقي مباريات كرة القدم، والمحادثات السطحية عن السياسة والرياضة وأحوال الطقس وأحوال الناس، الرسائل البريد الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي التي تنتظر رداً، الشعور بضرورة متابعة أخبار الناس وحركاتهم وسكناتهم وصورهم وفيديوهاتهم، الشعور بضرورة متابعة أخبار الشعوب المقهورة والمظلومة، والحروب والزلازل والنوازل، وأحوال الصحة والتعليم، وتنقلات الملوك والرؤساء، وانتقلات اللاعبين وعلاقات الممثلين ونزوات المشاهير..

بمجرد ابتعادي قليلا عن نصب وصخب المدينة، وتنزهي لساعات بين تلك الأحلام المنحوتة في مخيلتي، والتي تتطلب الجهد والمال والوقت والرجال، أحس بالقرب من شيء مني لا يريد هذا كله، بل لا يريد أي شيء على الإطلاق.
عندما أرحل بعيدا عن تلك الأماكن الذهنية المستقبلية.. عندما أعطي المسافة الكافية بيني وبين ذهني المكتظ بالناس والجداول الزمنية والمشاريع وهواجس الربح والخسارة وقوانين الفشل والنجاح، حينها فقط، ينتابني شعور بأن كل هذه العوالم الذهنية هي مجرد أوهام اختلقتها وتشبثت بها وملأت بها مخيلتي، لأني لا أدري كيف سأتصرف عندما لا يوجد هناك ما سأفعله أو أخطط له.
عندما ألبس أحلام البسطاء لأرى الدنيا بالألوان الخمسة المعروفة، وأتحدث بتلقائية إلى الوجوه القلة المألوفة، وأتنفس عالما خاليا من مصطلحات الطب وأكاذيب السياسة ومساحيق الإعلام وبريق المال، أتمنى لو كنت فلاحاً بسيطاً في قرية ريفية منفية يستيقظ على صوت الديك أو صوت المطر الذي يطقطق على النافذة بوتيرة متناغمة يجعلك تأتي بما تبقى من النوم، وينام بعد آخر ركعات العشاء، لا يعرف ما يقع في العالم، ولا أين يوجد البانكرياس ولا يأبه لزيادة ثمن الحليب والبنزين والمتر المربع من شقة مركونة داخل صناديق إسمنتية بئيسة..
يكفي أن تبتعد عن المكان الذي تعمل فيه، وتغلق الهاتف وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ترحل بعيداً عن العالم الذي تحكمك حاجياته وطلباته وقواعده ونصوصه، وكل الوقت الذي تمنحه إياه بغية الاستمرار فيه، كي تستشعر من أنت فعلا.. ساعتها تقضي الوقت الكافي مع نفسك، تنشغل بها وتجيب على أسئلتها وتتعرف عليها.. ساعتها تبدأ رحلة البحث عن هويتك الحقيقية، المجردة من المؤثرات الخارجية والمختبئة وسط كومة من الهواجس الداخلية، ساعتها فقط، تُبادلك نفسك السؤال: من أنت حقاً؟
يكفي أن تعيش بلا شيء، بلا اتصالات ولا مراسلات ولا واجبات ولا حسابات ولا برامج، كي تكتشف أن الحياة تستمر في المكان الذي ظننت أنها لن تستمر فيه بدونك.
لست بحاجة لكل هذا لكي تسعد، وليسوا بحاجة إليك لكي تكتمل زهرة حياتهم. أنت بحاجة لتدارك نفسك التي تضيع منك لإرضاء من لا يرضى، والجري وراء ما لا يدرك، والجواب على العاجل والمستعجل والضروري والسريع. التيه.. الدوامة.. الضياع.. تجري وتكتب بأنك تجري.. وعندما تضحك تريد أن تظهر بأنك تضحك.. وعندما تقلق وتحزن تختبئ وراء المقولات الفلسفية التي لا تفهمها، والمقالات الطويلة التي قد لا تحللها، كي تعطي حياة للحزن ومعنى للقلق.
إنها مسرحية الحياة، أو دراما الإنسان المعاصر الذي يظن بأنه يعيش على خشبة مسرح وأن مهمته هي إرضاء كل هؤلاء الذين ينظرون إليه. هذا الإنسان الذي يجب أن يعمل في وظيفة قارة وحبذا لو تكون هكذا ويكون له بيت وزوجة / زوج، وأولاد وصالة فيها نوع معين من الزرابي وشكل معين من الأفرشة، وعليه فعل كذا وكذا، والقيام بكذا، ولا بد له من كذا، كي يكون عند حسن ظن هذا وذاك، ولذلك فمن الواجب عليه كذا وكذا..
هكذا تعيش وسط مجموعة من الالتزامات التي لم يلزمك بها أحد وارتباطات لم يربطك بها أحد، تعيش لترضي لا أحد، وتخسر نفسك، فتكون شخصاً آخر، ليس أنت.. فمن أنت؟

لا دواء سوى الإبتعاد لمعرفة الداء والإنقطاع لمعرفة الوباء؛ الصيام على المسببات؛ ترتيب الأوراق في صمت . لكي تعود على بصيرة، لكي تكسر العادة وتصحح الحياة التي أودت بحياتك. لكي تسترجع الحياة التي ضاعت منك … لكي تحيى ثم ما تفتأ أن تمر هذه الإستراحة الذهنية البدوية حتى أرجع إلى حياتي المدنية المتعبة لأبحث عن أحلامي المعقدة لأن حياتي ليست في صفاء البوادي، لكنها وسط غبار العمارات وضجيج السيارات ورنين الهواتف وطقطقة الحواسيب … لا أتقن الفلاحة ولا أفهم حياة البدو المريحة … أحلامي المعقدة كتب أن تكون وسط الهرج والمرج والصخب والنصب … في الضوضاء ولدت وفي الضوضاء سأعيش وفيه سأبني بداخلي بيتا هادئا مريحا أرجع إليه بعد التعب وأخرج منه عند الراحة

- الإعلانات -