شغف الكتابة

56

تصنف القراءة من حيث أهميتها عند القراء أهم مقومات الرقي بالمستوى المعرفي والمفاهيمي، خاصة من يتبعون منهجا رصينا في التعامل مع النص كيفما كان نوعه أو المجال الذي صُنِّف فيه. بهذا يكون القارئ هو المتحكم في النص لا العكس؛ إذ القراءة بالنسبة إليهم وسيلة لتغذية الروح والعقل معا، على مستوى جمالية التفاعل مع النص ومستوى اكتساب معارف جديدة، لكن هذا لا يتأتى إلا بالاعتماد على منهجية علمية مضبوطة تتسق ورغبة القارئ في التحصيل، فالكل يجيد القراءة، لكن يبقى التفاوت في القراءة بالنظر والقراءة بالبصر، تتمثل هذه المنهجية بشكل أساس في فهم محتوى الكتاب أولا، وترتيب الأفكار والآراء حسب موضوع الكتاب ورأي الكاتب ثانيا، ثم جمع المتفرقات مما قُرئ وفُهم وكتابتها كتابة علمية ممنهجة كمرحلة أخيرة.

وأحسن الفهم القراءة المتأنية التي تساعد على فهم قضية معينة، ليحصل استيعابها من أجل المقارنة بينها وبين قضايا أخر والخروج بآراء جديدة، وهو ما يعبر عنه بأخذ المسائل بعلم وتركها بفهم، وللتعبير عن هذا الفهم طرق، أهمها التدوين.
حيث ترتكز الكتابة بأي لغة كانت على أسس ومبادئ عديدة، قد يبديها الكاتب للعيان، وقد يخفيها في ثنايا كتاباته، لهذا تختلف أهداف كل شخص على حدة؛ إذ يعتبرها البعض بمثابة تعزيز للغته الأم والنهوض بمستواها القيمي مقابل اللغات الأخرى، وهذا من الرغبات الكامنة التي تتحكم فيها الأحداث التاريخية بشكل أساس، في حين يعتبرها البعض صلة وصل بين الكاتب وروحه، لأن قدرة الإنسان على الكتابة تمثل فهمه لذاته واستيعابه لما يحيك في نفسه؛ إذ يستمع لنفسه حيث لن يجد من يستمع إليه، ويعترف لنفسه بما سيخجل من قوله أمام الناس، ويبوح لنفسه بتفاصيل يستحي من ذكرها علانية، وتجعله مخلصا لنفسه في لحظات الحزن والفرح، لأن الإنسان حينها يغدو أكثر صدقا مع نفسه، وفي ثاني اللحظات أكثر.

- الإعلانات -

لهذا نجد الكتابات تتناثر من زمان إلى آخر ومن لغة إلى أخرى، لأن الغرض بالأساس كان ولازال متمثلا في التعبير عما يخالج صدر الإنسان من أحاسيس وخواطر ورؤى جعلها مخلدة بكتابات تستدعي استحضارها والاستعانة بها في كل وقت وحين.
وقد تختلف نوايا كل كاتب؛ فهناك من يكتب لنفسه ويحتفظ بما يكتب ويخفيه، حتى يأتي من يكشف الحُجُب عن كتاباته بعد موته، وهناك من يكتب من أجل كسب الحظوة المعرفية وهو واهم؛ إذ للشهرة شروط متمثلة في التجديد والتطوير والإتقان، وإلا فإن المناقشات كفيلة بطمس مواقفه وآرائه، وهناك من يكتب من أجل كسب الحظوة السلطوية وهم أكثر الأكثرين وكتاباتهم شاهدة عليهم قديما وحديثا، منهم بعض كتاب الفكر والشعراء، إلا أن كتاباتهم أصابها الجذام حتى لا يكاد الناس يلتفتون إليها بله قراءتها، لأن الكتابة مرتبطة بصدق النية الروحانية في الارتقاء والازدهار أولا وأخيرا.
أما عن طقوس الكتابة فهي ليست حالات مقدسة وجب اتباعها، بل تختلف من شخص لآخر؛ إذ لا بد من توفير مناخ وبيئة مناسبين لمزيد بيان وإيضاح، وهذا عائد إلى نفسية الكاتب بشكل أساس؛ إذ هناك من يكتب في خضم صمت مطبق لتجنب أي تشويش قد يؤدي إلى فقدان خيوط أفكاره، وهناك من يكتب مستمعا إلى موسيقى صامتة حيث يوحي له كل إيقاع منها بفكرة أو خاطرة.
وفي الأخير أقول: إن للكتابات معاناة كمعاناة المخاض، لا تسهل على الجميع كما أنها لا تصعب على أحد، لأن معيارها الدقة، وميزانها المعنى، ومفتاحها القراءة بحب وشغف ومداومة.

- الإعلانات -

- الإعلانات -