افريقيا طفح بها الكيل

192

- الإعلانات -

آخر ما قد يدور بخلدك وأنت تتجول في أزقة العاصمة الغينية هو أن هذا البلد غني جدا بموارده الطبيعية، وأنه نال استقلاله منذ ستين سنة.

- الإعلانات -

وربما تبادر إلى ذهنك أنه بلد خرج للتو من حرب أهلية؛ أو تعرض لكارثة طبيعية قضت على كل مقوماته وبنياته التحتية. والحقيقة أن هذه الدولة تعد من أكبر مصدري البوكسيت والذهب والماس ! وواجهتها الأطلسية جعلت منها أول مصدر للسمك لمالي.

سآخذكم معي من خلال هذا المقال إلى إفريقيا السوداء، لأقص عليكم خلاصة ثلاثة أشهر في كوناكري؛ في محاولة لاطلاعكم على الحياة في تلك الأرض، وما يلفها من بؤس وأسقام، ولكي أحفظ هذه الذكرى من النسيان.
جاءت زيارتي لغينيا في إطار مهمة تقديم دروس في علم التشريح لطلبة السنة الأولى في الطب في جامعة خاصة : جامعة كوفي عنان.
كان بودّي أن أدرس في جامعة عمومية لأنها ما يعكس حقيقة البلد وفيها سيتجلّى لي مستواها التعليمي وطريقة عيش وتفكير المواطن الغيني العادي.
بعد العمل لبضعة أيام في الجامعة الخاصة قمت بزيارة كلية الطب العمومية وحضور إحدى دروسها ، ومنذ البداية بدا لي أن ظروف التعلم فيها غير مناسبة بتاتا؛ فالاكتظاظ الشديد يقتضي من الطلبة الحضور في وقت مبكر جدا، من أجل حجز المقاعد في قاعات الدراسة، وإلا لزمهم أخذ الملاحظات وهم واقفون. ويزيد من سوء التعليم في هذه الدولة الأجور المنخفضة جدا للأساتذة وغياب المعدات التطبيقية اللازمة لدراسة الطب بشكل جيد.
تقاسمت مهمة التدريس في جامعة كوفي عنان مع طبيب كونغولي انتهى لتوه من تخصصه في الطب الباطني، وقد أتى لنفس المهمة، لكن بخبرة أكبر مني؛ إذ أن تجربتي لم تكن تتعدى بعض الدروس في العلوم الطبيعية التي كنت أقدمها لأختي الصغيرة ودروس في علم وظائف الأعضاء كنت قد درستها للممرضات في مدرسة خاصة بالرباط.
لم يكن أمامنا متسع من وقت. جئنا لكي نتدارك الوقت الذي أضاعه الطلبة حينما انقطعوا عن الدراسة بسبب العصيان المدني الذي عّم أرجاء البلاد. بدأنا بتوزيع الدروس بيننا، ووضع جدول زمني، ومن ثم العمل. الجامعة هنا أشبه ما تكون بثانويتي القديمة، لكن بقاعات وساحة أكبر قليلا.
بعد جولة في أركان الجامعة، قدمنا المدير لأطباء المستقبل الغينيين. لا تخفى السعادة باستئناف الدراسة على وجوههم، خاصة حينما علموا بأننا أطباء مدربين بالعاصمة الرباط. فالمغرب هنا يعتبر دولة متقدمة وقوية جدا، وذو سمعة جيدة في تكوين أطر غينية عدة، كما أن زوجة الرئيس السابق وأبناؤه يعيشون في المغرب منذ مدة طويلة.
أثناء فترة الاستراحة، لفت انتباهي عدد من الطلبة، كانوا يبيعون البسكويت، والمياه المعدنية والسندويتشات ليتمكنوا من تغطية تكاليف النسخ، وكتب الطب، أو لمساعدة أسرهم المعوزة. وتعرف الأجور في غينيا انخفاضا كبيرا؛ بحيث لا يتعدى أجر الوزير ألفي درهم مغربي، حسب ما أفادني به السفير المغربي في كوناكري.
عادة ما يبقى اللقاء الأول بشخص ما على شكل صورة في لا وعينا، وهو الذي يحدد انطباعنا عن الشخص، وبالتالي رفضه أو القبول به. لكن لقائي الأول بتلاميذي كان بفضل الله غايةً في البساطة. لقد أحببت، منذ الوهلة الأولى، الترحيب الحار والاحترام الكبير الذي استقبلوني به، بالإضافة إلى حبهم للتعلم. شباب كلهم وعي وأمل بمستقبل أفضل لبلدهم، يلتهمون كل الدروس التي نقدمها لهم، ولا يتوقفون عن السؤال والاستشكال، فضلا عن أن يُفوّتوا حصة دراسية. وبالرغم من ذلك، كنت أخشى أن تَحمِلهم الظروف الصعبة التي يعيشونها على التخلي عن طموحهم وأحلامهم. فمن بين مائة وسبعين طالبا، نسبة صغيرة فقط تملك حاسوبا في المنزل أو كتبا طبية قيمة ما يجعل عملية التعلم غاية في الصعوبة.
بدافع من فضول المعرفة، عمدت إلى طرح بعض الأسئلة عليهم، قصد معرفة حدود طموحاتهم كان أولاها:

لم قررتم دراسة الطب ؟ فكانت الإجابات متنوعة.

يقول ف.أ.طونغينو : “نظرا لحجم الأمراض التي تعاني منها البلدان الإفريقية، يجب على التلاميذ المجتهدين اختيار دراسة الطب من أجل ضمان صحة جيدة. وهي أساس كل تطور، وهذا ما حفزني لدراسة الطب، كما أريد أن ألبي رغبة والدي بوجود طبيب في العائلة”.
أما إ.س.كامارا فيقول : “اخترت دراسة الطب لأن هناك أطفالا عرضة للموت بأهون الطرق، بسبب الفقر وجهل الأطباء الغينيين الذين اختاروا هاته المهنة من أجل كسب الثروة فقط”.
كان الموت بسبب مرض من الأمراض دافعا لبعضهم لدراسة الطب، حتى يجنبوا عائلاتهم الموت بسبب الأمراض مستقبلا.
ولأجل سبر حدود هذه الطموحات، سألتهم عن تخيلهم لأنفسهم بعد عشرين سنة. فكانت إجاباتهم كالسابق مختلفة ومتنوعة.
يقول م.أ.باري : “أتخيل نفسي مدير مشروع لإدارة الأمراض المترتبة عن الميكروبات، هذه طريقتي لأساهم في تنمية بلدي الجميل: غينيا”
وقال م.ديابي : “أتخيلني وزيرا للصحة، أو ناشطا كبيرا في مجال الصحة؛ من أجل معاقبة كل من يقوم ببيع أدوية لا تتوافق مع المعايير الطبية. فالدواء وإن كان يداوي إلا أنه يقتل أيضا.”
وجوابا عن سؤال : كيف تتخيل بلدك بعد عشرين سنة؟ يقول د.مامادويارا : “في العشرين سنة القادمة، أرغب بشدة أن أرى الغربيين يبحثون عن الفيزا لتطأ أقدامهم أرض غينيا”
وكتب ت.كابا بدوره: “ستصبح غينيا من البلدان المتقدمة؛ لأننا عانينا جدا، وحان وقت التدارك. نحن أطر المستقبل، ويجب أن يكون لدينا وعي عال من أجل الإسهام في تطور بلدنا”.
أما السؤال الأخير فكان عن أهم ثلاثة أشياء يريدون فعلها قبل موتهم. وهنا بدت الخلفيات التربوية والعقدية لكل طالب.
جوابا عن هذا السوال، قال ف.كيبا : من بين ما أحب فعله قبل موتي أن أرسل والدي إلى مكة. وقال م.أ.ديالو : “أريد أن أعمق معرفتي القرآنية لكي أستطيع معرفة الوجود العلمي الطبي في القرآن”. بينما أراد أ.ت.ديالو أن يحصل على جائزة نوبل في الطب و قال د.مامادويارا بأنه يريد أن يعالج 5000 شخص دون مقابل مادي قبل أن يموت وإجابات أخرى كثيرة، تعبر عن طموحات وأوليات كل تلميذ.

- الإعلانات -