حياء قلم و عذرية ورقة

34

لا أعلم هل لابد لكل كاتب أن يبرر فعل كتابته؟ كأن الكتابة جريمة يعاقب عليها القانون (في وطننا ممكن)، لكن لا يمكن لأي كاتب أن يوقف تلك الرغبة الجامحة في الكتابة، رغم أن الأكثرية تحاول أن تقمع هاته الرغبة التي تنبعث من وجدانهم، ربما لأن القمع الموجود حولنا تسرب إلى عروقنا وتشرَّبَته أصابعنا.

- الإعلانات -

أنا هنا لا أتكلم عمَّن يستخدم قلمه من أجل الرزق أو من يكتب فقط لأنه تعلم الكتابة، بل بالعكس، هناك من الكتاب ممن لم يكتبوا ولو سطرا واحدا ماعدا تلك السطور التي نخطها في رسالة أو طلب إداري، لا لشيء سوى لأنهم يعتقلون أصابعهم وينفون أقلامهم ويمنعون عن أوراقهم الاتشاح بغير البياض، وذلك راجع للخوف الذي يُعشش في صدورنا والذي ربَّوه فينا، وعلمونا إياه في المدارس ولقنوه لنا في الشوارع، أصبحنا نخاف من كل شيء ومن لا شيء، ننسى الخوف فقط إذا ما تواجهنا فيما بيننا، إذا ما أردنا انتقاد أنفسنا وتدمير الناجحين منا.

الخوف الذي يسيطر على فعل الكتابة عندنا يزحف إلى القراءة، ربما ذلك لا يظهر من زاوية المثقف العابر، لكن باعتبار أن العلاقة بين الكتابة والقراءة كالعلاقة بين الدجاجة والبيضة أو الشجرة والثمرة؛ حيث لابد لكل طرف منهما أن يهدم الآخر لكي يؤسس على رفاته كيانه الخاص، وبما أن الثمرة ملعونة في مجتمعاتنا انسحبت اللعنة أيضا إلى الشجرة، فنادرا ما نَجد بيننا من يقرأ جيدا وبصدق، فحتى القِلَّة التي تحمل كتابا لا تحمله إلا من أجل لفت نظر الناس أحيانا، وأحيانا أخرى تقليدا لمن سلبوا منا هويتنا، أخص بالذكر هنا من يحملون الكتب في وسائل النقل العام أو في الحدائق والساحات العمومية ولا يجعلهم ذلك أبطالا فدائيين ضد الجهل، ذلك لأن اعتقادي البسيط أن من يقرأ حقا وبصدق يجب أن يُرادف معه قضية ما وأن يحمل في قلبه هم وطن بأكمله، فالقراءة ليست حدثا فرديا مجردا وخاصا، بل هي طقس مجتمعي منه وفيه وإليه.
من هنا فأنا لا أتفهم أبدا أن يتجمد القارئ داخل كتابه، بل لابد لتلك الومضة التي يدَّعي أنه يتتبع منبعها في صفحات كتابه أن تظهر في مواقفه الحياتية، ففي المشهد الذي يحمل فيه المرء كتابا وبجانبه يقعد الجهل مترنحا دون أن يستفزه نور ما يقرؤه، يكون هنا الممثل قد خرج عن النص أو فقد الحوار.

الكتابة والقراءة إذا كانتا فعلا جماعيا بمعناهما الحقيقي الذي يحمل قضية، لا يمكن أن يؤديا إلا إلى نشر نهضة فكرية حقيقية، لذلك اقرؤوا واكتبوا فمن يقرأ ولا يكتب كمن يأخذ ولا يعطي. حاولوا أن تخدشوا حياء أقلامكم وتنزعوا العذرية عن أوراقكم واحملوا قضية وطن لابد أن يتحرر.

- الإعلانات -

- الإعلانات -