للهم اجعلنا فقراء مال ولا تجعلنا فقراء حال!

119

- الإعلانات -

في مثل هذا اليوم من رمضان السنة الماضية، كتبت هذا المقال حول قاصر اسمه عمر يبلغ من العمر 16 سنة ويقطن بحي الشيخ المفضل بمدينة سلا. هذا المراهق مطرود ومغضوب عليه من طرف عائلته، وأصبح يتردد على أحد حراس السيارات ليعمل معه مقابل بعض الدريهمات.
في هذا اليوم من أيام رمضان وفي واضحة النهار قام هذا المراهق بإشعال سيجارة أمام الملأ بجوار أحد المساجد، في هذه الأثناء سيفاجئه أحد الشيوخ بمطاردته بالحجارة وإسماعه شتى أنواع السباب: لعنة الله عليك يا ابن كذا وكذا يا فاعل يا تارك…، لوهلة تساءلت مع نفسي هل كان الشيخ محقا في كل ما قام به وقاله؟ هل كان أسلوب وسلوك هذا الشيخ حضاريا ومتزنا؟ وهل يجب التعامل مع مثل هذه المواقف بهاته الطريقة؟ وهل هذا هو منهج رسول الرحمة في التعامل مع هكذا مواقف؟ ثم هل هذا الفتى يؤدي كل الفرائض ولا يقوم فقط إلا بفريضة الصيام ؟ لماذا التركيز على الصيام دون باقي العبادات وعلى رأسها الصلاة؟

ثم لماذا لم يسأله أولا هل تصلي أم لا؟ فكم منهم يصوم ولا يصلي وهذا حديث آخر.
من هنا يتضح أن دفاعنا عن بعض الأشياء يتم بطريقة صورية وعاطفية وتتحكم فيه نظرة المجتمع والأعراف، في تغييب العقل وعدم استحضار الغاية من كل عبادة على حدة، فمثلا من بين غايات فرض الصيام هو أن نتقي الله في بعضنا البعض، والصلاة لتنهانا عن الفحشاء والمنكر وهكذا دواليك، وبالتالي فبتغييبنا لهاته الغايات والأهداف نكون قد قوينا القواعد لكن افتقدنا للمعنى من العبادة، لذا تجدنا محافظين على وقت الصلاة وفي المسجد، لكن عندما يتعلق الأمر بمواعيد ومشاغل الناس تجدنا متخاذلين وكسالى، نفتري ونخون الأمانة ونحسد ونتنزق على بعضنا البعض ونتسنى الفرصة السانحة لنوقع ببعضنا، كما تجد بعضنا حريصا على سماع أو قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، وقراءة القرآن فقط كلما أحس بخطر أو لطرد الجن وإزالة الهم والغم والنحس والعين كل حسب مرضه ومعتقداته … وهذا فهم خاطئ ومختزل للقرآن.

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي

لماذا لا نتخلق بخلق القرآن ونتأسى برسولنا الذي كان قرآنا يمشي على الأرض، وهذا يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطبق ويعمل بما جاء في القرآن وأينما حل وارتحل كان يزرع الأمل والإحسان وحسن الخلق والتيسير والابتسامة والطمأنينة والخير وهذا هو المعنى الحقيقي للقرآن.
عندما لا تؤثر فينا العبادة بشتى أنواعها سواء في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين فيجب إعادة النظر فيها لكشف مكامن الخلل وإصلاحها لكي تؤدي المعنى الذي جعلت لأجله.
بالرجوع إلى الشيخ في نظري افتقد للمنهج النبوي وإلى بعد النظر وواجه منكرا بمنكر آخر، هذا الشيخ لم يكلف نفسه عناء السؤال عن الظروف التي يعيشها هذا الفتى وعن حالته النفسية والاجتماعية والعائلية.
هذا الفتى عندما يقوم بهذا الفعل وأمام الملأ يتضح أنه لم تعد له فرامل وأن بنيته الفكرية إن كانت عنده أصلا قد دمرت، ولم يعد في عقله مكان للمعقولات، علما أنه متشرد ومتسكع ويبيت في الشارع، حكي لي أنه تعرض للتحرش ومن يدري فقد يكون تعرض حتى للاغتصاب. فماذا ننتظر إذن من هذا الفتى وأمثاله الكثر ومن أراد أن يراهم فليخرج ليلا أو بعد صلاة المغرب عندما يكون الكل ينعم بدفئ العائلة والأبناء ويتمتع بألذ المأكولات ويعتقد أن العالم جميل وكل شيء على ما يرام، وعندما يخرج من عالمه المثالي إلى الشارع يرى انحرافات الفتية على أنها شاذة وينظر لمقترفيها باحتقار وتنقيص ونفور، عوض محاولة تقديم نوع من المساعدة ولو بسيطة كعدم العبوس في وجوههم والتعالي عليهم ثم لنكن مبشرين لا منفرين.

- الإعلانات -

وهنا أستحضر التعامل الراقي لمربي هذه الأمة في احتواء وحماية الأعرابي الذي تبول في المسجد، إلى درجة أنه أمر صحابته الكرام بأن لا يقطعوا عليه بوله، بعد ذلك اتجه إليه ونصحه بلباقة وحسن خلق وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين” تعامل رسول الله مع الأعرابي لقي أثرا عميقا في نفسية الرجل فقال الأعرابي: “اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا” فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لقد حّجرت واسعا لقد حّجرت واسعا “: ضيقت ورحمة الله واسعة “.
إبداء التعاطف مع الناس من أجل إبراء ذمتنا لم يعد كافيا اليوم، حيث أننا في معظم الوقت والحالات وفي أوج حنيتنا تجدنا نقول “الله احسن العوان” أو “مسكين بقا فيا قطع لي قلبي”، وتجدنا في أحايين أخرى نقول “الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا” نعم هذا جميل جدا أن تحمد خالقك على نعمه عليك لكن هذا الحمد يجب أن يوصلك إلى استشعار هذه النعم. هذا الاستشعار يجعلك تضع نفسك مكان الأخرين وأن تحاول فهم وضعيتهم وما يعيشونه لكي لا تتهكم و تصدر الأحكام الجاهزة في حقهم.
أخرجوا وقت الفطور لتروا العوالم الأخرى من الحرمان والشقاء ولا تنتظروا حتى تمتلئ الشوارع بالناس فيصبح الكل سواسية ويختلط الكل.
وعملا بمبدأ لست عليهم بمسيطر، من أعطاك حق إجبار الفتى على الصيام أو الصلاة، نعم تريد أن تؤدي الرسالة!! ولكن لماذا لا تؤديها عندما تراه متسكعا في الشارع أو عندما يرتدي سترة حراس السيارات لكي يقول بأني لا أتسول وأقدم لك خدمة، أحيانا لا تعطيه حتى درهما وأنت تمتطي سيارة تساوي الملايين، أو تقول له بعنجهية وفظاظة أرني الرخصة. وهنا أتذكر وبألم تصريح وزيرة الأسرة والتضامن حيث قالت بأنه لم يعد في المغرب فقراء وهنا أتساءل أي أنواع الفقر تقصد؟ إذا صدقنا أنه لم يعد عندنا فقر المال فالطامة الكبرى والمصيبة هي أننا أصبحنا فقراء الحال وهو أخطر من فقر المال. لكننا للأسف لم نصل بعد إلى مرحلة أن يكون عندنا خبراء يشخصون ويقومون بالدراسات اللازمة لتقييم درجة الهشاشة والفقر المدقع في حالنا، لأن اهتمامنا منصب كله على كل ما هو مادي ونترك كل ما هو معنوي جانبا.
مباشرة بعد انتهاء رمضان وإلى يومنا هذا اختفى عمر عن الأنظار، سألت عنه فقالوا لي إنه لربما يوجد في الإصلاحية وهذا حال كثيرين وهكذا يلتهم الضياع فلذات أكبادنا في عمر الزهور.
“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك ”
فاللهم اجعلنا فقراء مال ولا تجعلنا فقراء حال.

- الإعلانات -