ألحياتنا معنى…

294

- الإعلانات -

“مات” كم هو رهيب وقع هذه الكلمة على أذني، بادىء الأمر لا أكاد أستوعب ما تخفيه في طياتها وما تعرب عنه هذه الأحرف الثلاثة من حزن ومآس، إلا أنني وللوهلة الأولى أشعر برعشة في جسمي، تتجمد ملامحي وتتهاوى أطرافي…سنة الله في الأرض وبموجبها نقول إنا لله وإنا إليه راجعون. كلي يقين أننا سنموت ذات يوم وسنترك خلفنا أخا يبكي أخاه، أو زوجة ترثي زوجها أو ثكلى تنعي ابنها، ولكن لماذا هذا الظلام الذي يجتاحني كلما سمعت كلمة ” مات”، سواد حالك يحيط بي ويأخذني إلى غياهب الكهوف المظلمة، ربما هذا الشعور محض شعور وهمي يخترق أوصالي ليحدث فوضى عارمة تجذبني من ضوء الحياة الغامر، و تستنزف قواي الهزيلة، هل فراقهم يحدث هذا العمق من الفجوة بداخلي؟ كيف يتسنى لي أن أعيش حياة هانئة وملامح أوجههم لا تكاد تفترق مخيلتي؟ كيف لي أن أمضي وضحكاتهم قابعة تخترق أذناي في كل وقت وحين؟ كيف لي أن أمحو طيف ذكرياتهم بعدما عاهدتهم على أن تظل قلوبنا موصولة؟ كيف لي؟…

أتذكر جيدا جلساتنا تحت سقف منزلنا، نتبادل أطراف الحديث مسندين ظهرينا إلى الأرض نحصي حبات البلور في الثريا، لم أعتقد أن ذلك الوقت الذي قضيته برفقتك صديقتي كان من أجمل ما أهدتنيه الحياة، يا لحسرتي وأنا أقف اليوم أتحسر على كل فرصة لقاء أضعتها في أمور تافهة…
لم يتسن لي أن أشكرك وأعوضك عن حجم المعاناة التي سببتها لك، لطالما فاقت طلباتي قطرات العرق الجارية على جبينك وأنت تبذل الغالي والنفيس لإرضائي، وكم قابلت عنادي وعقوقي وجحودي بالدعاء والتذلل في جوف الليل، مسندا جبهتك إلى الأرض تتضرع إلى الواحد الأحد أن يهديني ويأخذ بيدي، وها أنا ذا يتيم القلب، يتيم الروح بفقدك…

لم يكن لي أم ولا أخت ولا ابنة، فقد ماتت أمي بعدما أنجبتني بعد عدة أشهر وكنت عاقرا لا أستطيع الولادة، ولكن كان لدي أنت، كنت لي حنان الأم، ورحمة الأخت، وود الابنة ودفئ الزوجة، لم تتواني يوما في إسعادي وإرضائي وجلب السرور إلى بيتي، لم تنبسي ببنت شفة حينما ألقي بكلماتي الساخطة في وجهك تنفيسا وترويحا عن غضب أحدثه شخص ما، كنت ملاكي الذي تفانى في خدمتي، إلا أنني تركتك وتخليت عنك بعد أول طريق وعر تسلكينه طريق المرض …
ألحياتنا معنى بعدما رحلتم وتركتم على كاهلنا حل لغزنا المكشوف؟ هل للمعادلات الرياضية والتجارب الفيزيائية والمحاليل الحمضية والبيانات والاستنادات نفع إذا ما استطاعت أن تجمعنا ببعض مرة أخرى؟ هل ما إذا عاد بنا الزمن للوراء وفي نقطة مفصلية نمحو أخطاءنا الهوجاء ونستلذ بوجودكم معنا؟ وننسى الساعات والأيام في حضرتكم…هل لنا أن نفعل؟
أمفعول تلك الأحرف الثلاثة -مات- قد بات يسري في شراييني ويجرني مرة ثانية؟ أم هو هذيان الوحدة بعد أن شد عضددنا؟

- الإعلانات -