على عجلات السلامة

77

- الإعلانات -

في مدينة صفرو حافلة يختلف الكثيرون حول تأريخ بداية خِدمتها، فالبعض يقسم أنها تعود لأواخر تسعينيات القرن السابق بينما يبالغ الآخرون فيؤكدون أن الحافلة هي نفسها تلك التي أمَّنت منذ 1980 الخط الرابط بين صفرو وفاس قبل أن يقوم مالكها بإعادة تجهيزها وصِباغتها لتشغل الخط الجديد، منظر الحافلة لوحدِه يَدفعك لإِعادة النظر في اختياراتك والتفكير مرة أخرى في الأسباب التي تدفعك للسفر، صِباغة مشققة كمساحيق تجميل كثيرة غير مُنسَّقة فوق تجاعيد وجه سيدة عجوز وهيكل متآكل ومقاعد خشنة، ورغم أن الأوراق تحمل أرقاما للمقاعد مكتوبة بخط اليد إلا أن المقاعد تخلو من أي دليل أو رمز يحيل على رقمها… أما لماذا يختار المسافرون الحافلة بدل وسيلة أخرى فالأمر متعدد الأبعاد، مادي بحت، فثمن الحافلة أقل بكثير من تذكرة القطار، ولوجستيكي ثانوي لعناء التنقل نحو أقرب مدينة وركوب القطار.

الكُمساري رشيد شاب في الثلاثينيات، حليق اللحية والشارب يدخن سجائر من النوع المتوسط، يقوم بترتيب أمتعة المسافرين ولا يتوانى عن طلب “قْهِيوة” من كل مسافر، ذلك المقابل الذي يتراوح بين ثلاثة دراهم إلى العشرين حسب كرم المسافر ووزن الأمتعة، وقد تعلو المُلاسنات والتهديدات أحيانا بين مسافر يأبى التسعيرة التي يطلبها رشيد فيتدخل بعض المسافرين لإيجاد حل وسط وإِرضاء الطرفين.
رغم أن للحافلة موعدا مُحددا للانطلاق إلا أنها تتأخر دوما في الإقلاع، هناك شيخ كبير ضرير يعرف الوقت الصحيح فيستبقه بخمس دقائق ويصعد طلبا لبعض الدراهم مذكرا بالموت ومتمنيا طريقا آمنا للمسافرين فيحظى بكرم البعض، السائق هو المعادلة الصعبة والبطل المُنتظَر الذي بقدومه يُسرع الجميع بالصعود أملا في الانطلاق.
تماما كما يُفضَّل اختيار الجارِ قبل الدارِ، في الحافلة كذلك ينبغي أن تختار مكان جلوسك بِعناية لاسيما إن كانت المسافة طويلة، ابتعد ما أمكن عن الأطفال الصغار فالمساكين حين لا يتحملون رتابة الطريق والحرارة يستعيظون عنهما بالبكاء والصياح، أما إذا رأيت شخصا يحمل بعض أكياس البلاستيك فانفر بجلدك فقد يفاجئه الدوار ويخطئ المكان فيصلك شيء أو رائحة تُنغص عليك الرِحلة وتندم معها أشد الندم.
تتوقف الحافلة في الكثير من المحطات، يُطمئِن الكُمساري المسافرين أن مدة الانتظار لن تتجاوز عشر دقائق فتمتد لتجتاز نصف ساعة وسط تذمُّر الجميع، مدة يستغلها البائعون المتجولون والنصابون على حد سواء، شوكولاتة مقلدة رديئة، وقنينات ماء بارد والعديد من المنتوجات، بينهم أشخاص أوتوا بلاغة الجَدَّات، كلامهم مُقفَّى ولا يخلو من الحِكم والأمثال، عباقرة في تسويق منتجاتهم، يُضحِكون الجميع بنكاتهم حتى وإن بدا لهم بأن لا أحد مهتم ببضائعهم: الكحل، والمسك، والحبة السوداء والكريم الأسطوري الذي أثبثت مختبرات الصين واليابان فعاليته في محاربة كافة الأمراض الجلدية.

- الإعلانات -