أثقل الرضوتين

110

- الإعلانات -

“أثقل من رضوى”… ظلت هذه الرواية ضمن مشروع قراءة مؤجل لبضعة أشهر حتى ظهرت في الفترة الأخيرة وفي مجال الإعلام تحديدا مذيعة مثيرة للجدل تحمل نفس اسم الكاتبة، وأصبحت -بعد أن حصدت مشاهدات فاقت حاجز الملايين في غضون فترة بسيطة- حديث السوشال ميديا ما بين مؤيد ومعارض أو بمعنى أدق مابين مؤيدة ومعارض، لا أعلم ما إذا كان هذا النوع من النجاح سيستمر طويلا أم سيكون وقتيا وسرعان ما يخفت بريقه وينسى كأنه لم يكن، والنماذج كثيرة بهذا الصدد، كل ما أعلمه حقا هو أن هذه الفقاعات الإعلامية التي بدت لي خفيفة وتافهة كانت بمثابة تذكير لي بلقاء قد تأجل كثيرا مع ما هو أثقل.

كان لقائي الأول بماما رضوى رحمها الله -وأحب مناداتها بهذا الاسم- عن طريق روايتها الرائعة ثلاثية غرناطة؛ حيث جذبتني معها بسلاسة لتعيد تشكيل تاريخ مهمش للفترة الممتدة من سقوط غرناطة وتوقيع معاهدة تسليم المملكة من طرف الأمير أبو عبد الله الصغير، وحرق الكتب وثورتا البيازيين الأولى والثانية، والتشتت الجماعي لأهالي غرناطة حتى صدور قرار الترحيل النهائي لعرب الأندلس. شعرت وأنا أقرأ الصفحة تلو الصفحة أنني أعيش ذلك الزمن وأندمج مع شخصياته، أفرح لفرحهم وأحزن لحزنهم، وأموت قهرا عند الوقوف بين يدي إحدى المشاهد التي تبدع في وصفها السيدة حتى يخيل للقارئ أنها واكبت فعلا تلك الحقبات الزمنية التي تحكي عن تاريخها بدقة تنم عن خبرة إبداعية، كوصفها أماكن في الحمراء، مثل مسجد البيازيين والحمامات، والحوانيت والأزقة الملتوية، والأسوار والأبراج، لأكتشف بعد ذلك أنها خاصية تميزها في كل أعمالها.
تجدد لقائي بعد ذلك مع ماما رضوى مرات عديدة وأحيانا متتابعة، كلقائنا في قرية الطنطورة بفلسطين بضيافة عائلة رقية التي تم اقتلاعها من أرضها من طرف العصابات الصهيونية لتعيش في تجارب اللجوء في لبنان والإمارات ومصر، وأعيش معها أيام النكبة الحزينة فأتعلم من رقية القوية أن الحياة تطلب منا أن نبقى أقوياء رغم الظروف القاسية لأن هناك من يحتاجنا ويحبنا… وكذلك مع روايتها في أدب السجون “فرج” والتي تسرد فيها سيرة ندى عبد القادر ومواكبتها لثلاثة أجيال من الاعتقالات بدءا من والدها الأستاذ الجامعي السجين، ثم بعد ذلك اعتقالها شخصيا ثم مواجهة أحد أخويها الصغيرين لذلك. مع روايات معتقلين في سجون خارج وداخل مصر بالتوازي مع انتفاضة الطلاب في السبعينات، وروايات متقاطعة لمظاهرات الطلبة في فرنسا في ذات الوقت، اعتقالات بالجملة تطول كل من يجرؤ على معارضة الحكومة أو المشاركة في أنشطة لامنهجية لا تأتي على هواها.
السيدة رضوى تعرف جيدا كيف تزاوج بين الكتابة الجمالية والمشروع المعرفي، فتمزج المشاعر الإنسانية بالسياسة والنضال ورغبات الناس في الحرية، تمزج من مشاعري لوحة فنية أرى فيها أجمل ما في، تجعلني أضحك مرات وأبكي أخرى، تعرف جيدا كيف تجعل مني إنسانة…
تعددت المواعيد واللقاءات بعد ذلك مع مجموعة من أعمالها ك أطياف، سراج وغيرها إلى أن وصلت المحطة إلى سيرتها الذاتية الممزوجة بذاكرة الوطن، كما أشرت في البداية إلى ما هو أثقل في خضم أحداث وموجات أغلبها خفيف المعنى والمضمون …
لن أدخل في تفاصيل الكتاب لأنني لم أتخلص من طيف أحداثه بعد، فلا زلت هناك في ميدان التحرير أشاهد الثورة المسلوبة، ولكنني سأسمح لنفسي أن أتبنى الأسطر الأخيرة منه لأقول لنفسي أنا أيضا حين يراودني اليأس: لا يصح أو يجوز لأنني من حزب النمل، من حزب قشة الغريق، أتشبث بها ولا أفلتها أبدا من يدي، من حزب الشاطرة التي تغزل برجل حمارة… لماذا لا أقول إننا أي نحن الحالمون الذين يناطحون زمانهم من حزب العناد؟ نمقت الهزيمة، ولا نقبل بها فإن قضت علينا نموت كالشجر واقفين، ننجز أمرين كلاهما جميل: شرف المحاولة وخبرات ثمينة، تركة نخلفها بحرص إلى القادمين…
نعم، هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا…
كنت قد قلت في الثلاثية العبقرية: “لا وحشة في قبر مريمة” وأنا أقول لك ختاما “لا وحشة في قبرك ما دامت أعمالك الثقيلة حاضرة معنا”.
رحمك الله ماما رضوى.
أحبك.

- الإعلانات -