في هذا البلد الآمن المطمئن

192

- الإعلانات -

عزيزي القارئ٬

في هذا البلد الآمن المطمئن، قرر الشباب الموت على متن قوارب الهجرة وسط البحر وتحت غطاء الليل، فعلى ما يبدو٬ باءت كل محاولات الحياة على هذا الجانب من العالم بالفشل، قرروا إذن أن لا أمل يرجى وأن المغامرة من أجل نسبة نجاح ضئيلة خير من البقاء في ظل فشل محقق، تخيل أن الشهر الماضي أصيب الشباب بهستيريا الهجرة٬ قوارب تأتي في وضح النهار وتغادر على مرأى من الجميع، أشخاص أتوا للاستمتاع بالشاطئ، وافقوا أمام أول اقتراح من شخص مجهول أن يغادروا بلدهم، بدون أوراق هوية، بدون معرفة مسبقة بصاحب القارب٬ بل حتى بدون ملابس…

تخيل الآن أنه وليس كما ظننت، راكبو القوارب هؤلاء ليسوا أشخاصا أميين، ليسوا بلطجية وليسوا شباباً تائهين، على عكس ذلك٬ أغلبهم طلبة جامعيون أثقل الفقر كاهلهم وأقفلت الحياة بابها في وجوههم، كانوا بالأمس القريب متفائلين ببلد أفضل٬ بلد الفرص وتشجيع الكفاءات، بلد لا ريع فيه ولا فوارق اجتماعية، لكنهم في مرحلة ما قرروا أن لا أمل يرجى، منهم من أدرك أن هذا البلد بعيد المنال ومنهم من فهم أنه موجود لكن ليس للجميع، والحق يقال أن لا أدري من منهم على حق، لكني أدري أن الله وحده يعلم دوافعهم – التي لا أشك في قوتها – فأن تترك بلدك وتبحر مع مجهول نحو المجهول وأنت بملابس السباحة٬ هو شيء ليس من المفترض أن يحدث كل يوم.

- الإعلانات -

في تعليقه على هذا الوضع قال أحد رواد الفايسبوك: ”الفرق بين مهاجر الأمس ومهاجر اليوم، أن الأول كان يغادر بلده اليوم ليعود إليه غدا بحقيبة مملوءة وقلب صادق، أما الثاني فيهاجر لكي لا يعود أبداً.”

في هذا البلد الآمن المطمئن، يفرح الناس إن تأخر القطار نصف ساعة فقط، وفي الحالات النادرة التي يصل في الوقت يصاب الركاب بالذهول ويعتبرون ذلك حدثاً تاريخيا يستحق التدوين، لا داعي لأن أتعمق في تفاصيل الخدمة داخل القطار، يكفي أن أعلمك عزيزي أن مقاعد الدرجة الثانية لا تحمل أرقاما، مما يعني ركابا بأضعاف عدد المقاعد، أن تكييف القطار وبطريقة ما يكون دافئا في الصيف وبارداً في الشتاء، وأن المرافق الصحية لا تحترم أبسط أساسيات النظافة، وغيرها من الأمور العجيبة التي لا داعي لذكرها فقد أصبحت لديك فكرة واضحة عن هذا القطار. مهلا، لا أريد أن أخيب ظنك لكن الدرجة الأولى هي نفسها الدرجة الثانية لكن مع مقاعد بأرقام.

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي

تخيل الآن أن نفسه هذا القطار، انحرف عن سكته مخلفا سبعة موتى وعشرات الجرحى والعديد من المعافين جسديا / المحبطين نفسيا، كان على متنه طلبة جامعييون بطموح وهمم عالية، كان على متنه موظفون وعاملون اختاروا خدمة هذا الوطن، وكان أيضا أطفال وشيوخ في زيارات عائلية ومواعيد طبية.. شركة القطار طبعا تفاعلت مع الأمر، قدمت التعازي وتمنت الشفاء للمصابين كما أكدت عدم وجود عطب تقني على مستوى السكة فهي حريصة كل الحرص على سلامة ركابها وطبعاً هذا ليس كل شيء، لكن الخطوة الأهم أنها غيرت صورة البروفايل على الفايسبوك.

في تعليقه على الأحداث قال شخص ما: أن القطار في بلادنا يعتبر أكثر وسائل النقل ثباتا وأمانا، ومع سقوطه اليوم سقطت آخر ثوابت هذا البلد.

في هذا البلد الآمن المطمئن، لا نكل ولا نمل من ترشيح وطننا لاحتضان تظاهرات ضخمة لا تجرأ دول كبرى على التفكير فيها، نفتخر ببنيتنا التحتية – والتي يعود أغلبها لفترة الاستعمار – وندعم ملفنا بتعدد الثقافات على أرضنا، بطيبة شعبنا وقدرتنا على حفظ الأمن والسلامة للمواطن، وعلى ذكر البنية التحتية تخيل عزيزي أنه ومباشرة بعد حادث القطار، وقعت دعامات قنطرة على سيارة فقتلت سيدة وأصيبت ابنتها وتعرقل السير في جزء كبير من المدينة، حدث هذا في أكبر مدن البلد وأكثرها تقدما ورواجا وكثافة سكانية -لا أذكر من قال: إن هذا البلد بدأ «يتفتت» لكني أوافقه الرأي-، وعلى ذكر الطيبة ولحفظ المصداقية لا يفوتني أن أفتخر بشبابنا اللذين سارعوا للتبرع بالدم ونقل المسافرين واستقبال العالقين بعد حادث القطار المشؤوم، هذا الحادث وبالرغم من مأساويته برهن بشكل واضح على أن مستقبل هذا البلد في يد شبابه، أن التعبير عن سخطنا ولوم المسؤولين ليس هو الحل، وأن رثاءنا الضحايا وتبادلنا التهم مع الآخرين لن ينقذ لا فرداً ولا جماعة.. إن الحل واضح اليوم، أن نساعد بعضنا البعض، أن نتاقسم حلو التجارب ومرها وأن ننشر الوعي كل من مكانه وبطريقته الخاصة، فمن يحب العلوم يبسطها للآخرين، ومن يحب اللغات أو الموسيقى أو غيرها يتقاسم شغفه ومصادر تعلمه مع الراغبين في التعلم، ومن يتمتع بصحة جيدة يتبرع بدمه بين حين وحين، ومن تساعده ظروفه يكفل يتيم، ونحن بدورنا جعلنا من نشر الوعي والتغيير هدفا لمجلتنا منذ بدايتها، طموحنا أن نكون منبراً للشباب يتقاسمون من خلاله تجاربهم ويسخرون أقلامهم للنهوض بهذا الوطن.

عزيزي القارئ، لا يفوتني أن أخبرك أن ما ذكرته أعلاه هو بالكامل من وحي الخيال، وأن أي تشابه مع الواقع هو مقصود وليس بمحض الصدفة.

- الإعلانات -