جذور الإرهابيين

197

- الإعلانات -

عند كل محطة فكرية تستوقفنا لحظة تأمل في علاقة الإسلام بالإرهاب، وكيف تتجذر هذه الأفكار وتنمو شيئا فشيئا داخل رحم الدول العربية، أو بالأحرى داخل عقول اصطفت أسلحتها معلنة فكرا تنويريا جديدا إن شئنا أن نقول على أنها كذلك، لكن يبقى السؤال المترسب داخل قارورة أفكارنا وقناعاتنا هو كيف يتبنى بعض الشباب هذه الخرافات ويربطونها بالإسلام؟! هل يمكن إدراج هؤلاء الإرهابيين ضمن قائمة الشباب الواعي والمثقف؟!

من البديهي أن المسلم الذي يرث الإسلام عن أبويه يجهل في بادئ الأمر ما هو الإسلام؟ فهو بالنسبة إليه مجرد ديانة اكتسبها وراثة عن أهله، وعندما كان صغيرا كانوا يسهرون على تعليمه معنى الصلاة وكيفية تأدية هذه الفريضة، ويلقنونه كذلك بعضا من تعاليم الإسلام لتتكون لديه فكرة عن ديانته، لكن معظمهم يجهلون أن الطفل يستوعب تعاليمهم طبقا لما يقومون به لا ما يقولونه له، وهنا تكمن نقطة الحوار، فنجد مثلا أن أباه يعلمه الصلاة ولكنه غفل على أن يعلمه أساسياتها، وعن آثارها في نفس المسلم من راحة وسكينة، فينمو الطفل وهو لا يعرف عن الصلاة سوى أنها مجرد حركات يقوم بها خمس مرات في اليوم، وهكذا عندما يكبر يضرب بها عرض الحائط لأنه لم يعرف قيمتها من الأساس، ولا مدى أهميتها ولا الطمأنينة التي تغشى قلب المسلم عندما يصلي بجوارحه لا بجسده.
مثال الصلاة هذا ينطبق بشكل خاص على فهم الإسلام بالنسبة لبعض الأشخاص بشكل عام، فعندما يجرد الإنسان من مناعته التي تحمي أفكاره وتنيرها بعقلانية، يصبح مهددا بأي داء فكري قد يقتحم عقله، مما يؤدي به إلى الوقوع في الفخ الوهمي الذي ينصبه أمثاله من الجاهلين بتاريخ الإسلام وتعاليمه السامية، هذا وإن لم نقل أن جل الإرهابيين لم يقرؤوا ولو حرفا واحدا عن الدين الإسلامي أو عما تحث عليه تعاليم هذا الدين الحنيف، بل التقطت آذانهم أفكارا حدثهم عنها بعض الدجالين المتخبطين في بحار الوهم، لا هم فهموا الدين صح، ولا هم تركوا الناس تعيش في أمان بعيدا عن صخب أفكارهم البخيسة التي يتبرأ الدين والسنة منها.

نجدهم يرددون: “الله أكبر” قبل أي عملية تفجيرية ظنا منهم أنهم يقومون بالشيء الصواب، لكنهم نسوا أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، وفي آية أخرى: {ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}، ولو فتحوا القرآن وقرأت قلوبهم ما تحويه سطوره لعلموا أن الله يحرم قتل الناس ظلما وباطلا، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عندما تشتد الغزوات يأمر الصحابة بأن لا يقتلوا الأطفال والنساء، ولا يسيئوا إليهم بأذى، بل حربا رجلا لرجل كما هو متفق عليها.. وعندما أقول غزوة فهذا يعني أن الطرفين المحاربين يتفقون على الوقت والمكان الذي ستندلع فيه الحرب، فيعد كل منهم جيشه مع استعداد تام لخوض المعركة، وهذا ما سمي في الإسلام بالجهاد عندما قال تعالى: {وجاهدوا في سبيل الله}، فهو كان يقصد هذا النوع من الجهاد الذي ذكرته سالفا، وليس الذي يقوم به مجرمون تحت اسم الإسلام، يقتلون أنفسا رحيمة خلقها الله لتسعى في أرضه دون سابق إنذار مدعين بذلك أنهم يجاهدون في سبيل الله وأنهم يطلبون الجنة.

- الإعلانات -

أسيدخلون الجنة بعدما قتلوا أطفالا هم في الأصل ملائكة الرحمان، وييتمون بيوتا ويرملون نساء تحت ما يسمونه جهادا في سبيل الله؟ لا والله ما كان الله ولا رسوله ليرضوا بهذا الظلم الذي يقوم به مجرمون يدعون العفوية والتسليم لدين الله. لنفترض مثلا أنهم يجاهدون المنحرفين عن الإسلام أو المشركين، أو لم يتذكروا حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جاره اليهودي؟ فبالرغم من أنه يهودي إلا أنه لم يقتله لأنه مشرك بدين الله، بل كان يقابله بالحسنى، بل حتى عندما مرض هذا الجار اليهودي قام رسول الله بعيادته في منزله لكي يخفف عنه وحدة المرض، وما كان من اليهودي إلا أن شهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لأنه لم ير من الرسول صلى الله عليه شرا أو أذى، بل قابله بالرفق إلى أن هداه الله.

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي

وماذا عن تعايش الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل قريته مع أنهم كانوا يؤذونه؟ إلا أنه لم يرسل أحدا لمباغتتهم وقتلهم لأنهم لم يؤمنوا بالله ولم يصدقوه، بل كان يصبر على قسوتهم ويعاملهم بالحسنى إلى أن أسلموا، وكثير من الأمثلة في السنة تتحدث عن الرفق الذي قابل به صلى الله عليه وسلم المشركين واليهود، فهل هؤلاء المجرمون الذين نراهم يتربصون بأمن البلدان واستقرارها تحت اسم الإسلام هم أدرى من رسول الله؟

حاشا أن يكونوا كذلك، لنقل مثلا أن الكثير من الإرهابيين هم في الأصل متمدرسون وحاصلون على شهادات عليا ومع ذلك يقومون بهذه الأعمال المشينة، نعم، صحيح أنهم متمدرسون، لكن من اللامنطقي في الأصل أن نربط شهادات التمدرس بدرجات الوعي الإنساني، فمن الممكن أن نعتبر الإنسان مثقفا وواعيا إذا كانت لديه مؤهلات فكرية تدفعه إلى اكتشاف الشيء قبل أن يتبناه، وهذا ما لا يتوفر لدى أصحاب العقول الضعيفة من المتمدرسين غير المثقفين، فقبل أن يلهمني شخص بشيء ما، يجب أن أتحصن ضد هذا الإلهام وأبحث بنفسي في ذلك الشيء لتتكون لدي معرفة خاصة بإمكاني استعمالها كسلاح ضد الأفكار الفتاكة.. فمثلا أنا مسلمة، لكنني أجهل تعاليم الديانة البوذية تماما، فعندما سيحدثني شخص بوذي عنها سأقتنع بما يغرسه في نفسي من أفكار تخصه هو إن لم أحم نفسي منها، لكن باعتباري شخصا واعيا ومثقفا سأقوم بحفظ أفكاره في هامش مذكراتي، وأفتح لنفسي باب التطلع لاكتشاف البوذية من خلال البحث عنها والدراسة المعمقة لها، وبذلك أنمي رصيدي المعرفي حول هذه الديانة دون أن أسمح لشخص ما باستدراج أفكاري حول ما تنجبه ذاكرة أفكاره.

لذلك إن بحثنا في جذور الإرهابيين فإما سنجدهم ذوو هدر مدرسي واكتسبوا الدين (دون أن يبحثوا فيه) من خلال شخص هو بنفسه اكتسب الدين من شخص آخر، وهكذا نعبر السلسلة إلى أن نصل إلى قاع الحفرة التي تعلموا منها الدين والذي هو شخص لم يعرف عن الدين إلا ما أخبروه به، أو سنجدهم لم يمنحوا أنفسهم فرصة اكتشافه والدراسة عن مبادئه أصلا، وبذلك استقرت المضادات الحيوية ضد ترسخ الأفكار المتطرفة إلى زاوية الصفر، ويعلن الجهل حملة شنه لهجوم غير معلن عنه تحت اسم الإسلام، وهذا لا يزيد الإسلام إلا سوءا في أعين أناس تجهل تعاليم ديننا القيم، ولئن سألت هؤلاء المجرمين متى نزل الوحي على سيدنا محمد ستجد ألسنتهم تتعثر فلا هم بدينهم متفقهون، ولا هم لقيمه مستوعبون.

الإسلام دين الرحمة والتسامح والعفو والصفح، ليست مجرد كلمات نكتبها، بل هي مفردات سيتشبع بها الإنسان إن فهم الإسلام فهما صحيحا، دين اليسر، والتعاون والتآزر، دين الخير والدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، دين الابتسامة في وجه أخيك صدقة، ودين حب الخير للغير وأن يحب المسلم لأخيه المسلم ما يحبه ويرضاه لنفسه، دين التجاوز واللين والطيب من القول والفعل، فقد قال تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}، ولم يقل كن قاسيا عليهم أو جامحا لا تستجب لهم، بل أوصاه بالحلم في التعامل والدعوة إلى الله وكما قال تعالى: {لا إكراه في الدين}.
إن الله يهدي برحمته من يشاء والدين بعيد عما يفتريه هؤلاء المجرمون.

- الإعلانات -