بين الدماغ الأيسر والدماغ الأيمن

274

- الإعلانات -

منذ عشر سنوات تقريبا كنت تلميذة بسلك الباكالوريا، والتحقت أنا وزملائي بمركز أيام التوجيه المدرسي بغرض الاستفسار عن الكليات والمدارس العليا التي يمكننا الالتحاق بها في مشوارنا الجامعي، ومن بين الحضور كان هنالك أخصائيون في علم النفس أو الاجتماع على ما أظن، يجرون اختبارا على نوعية الدماغ الأكثر استخداما ويقدمون نصائح توجيهية في هذا السياق.

حينها لم يكن لي علم بعمل الدماغ الأيمن والدماغ الأيسر والفرق بينهما، ولم تكن لي أدنى فكرة عن ماهية هذا الاختبار، بدا لي دائما أن دماغ الإنسان لغز معقد وعالم لا يمكن التحكم فيه.

ونظرا لشكلي وشخصيتي الملفتين للأنظار باعتباري فتاة في الثامنة عشر من عمرها ذات قامة قصيرة، كثيرة الحركة تلاعب صديقتها وتمازح أستاذها غير عابئة بنظرات الآخرين، تبعثر أوراقها هنا وهناك وتحمل محفظة كتب أكبر من حجمها، تتصرف كطفلة في نزهة عائلية تسابق الأخصائيين ليختبروا دماغها. رغم أنني لم أفهم سر هذا التهافت، إلا أنه يبدو أن لي دماغا فريدا من نوعه. دون أن أدري ومن دون تفكير مسبق اخترت امرأة مثلي لتختبرني، أقصد لتختبر دماغي؛ بادرت مبتسمة في طرح مجموعة من الأسئلة قالت لي بعد انتهائها من تدوين إجاباتي العفوية: “إنك حتما مشروع فنانة، فالأدب عالمك، تدبين حياة وحياتك ستكون إبداعا لا محدودا”.

- الإعلانات -

أمعنتِ النظر في عيني وأكملت حديثها: “أنت تضيعين وقتك بين هذا الكم الهائل من الأوراق، لا تناسبك المكاتب ولا يشبهك الزي الرسمي لأي عمل كيفما كان، ولن تذهبي بعيدا مع تلك الأرقام والحسابات التي تنوين تحليلها!! اعلمي جيدا أن كُلاًّ ميسر لما خلق له وأنت خلقت لتكوني فوق المنصة، ثقي بي، وحدها المنصة ستفتح لك الآفاق الكبيرة، ستندمين فيما بعد على العديد من اختياراتك ولعل هذه هي إحدى صفات أصحاب الدماغ الأيمن”.

من حين لآخر أتذكر جملها ولكني اليوم فقط أمعنت التفكير فيها بجدية، بعد عشر سنوات تساءلت، يا ترى أي منصة كانت تقصد؟!

إني اليوم فقط وبعد عشر سنوات قد مرت على هذا الموقف أبِ الدلالات الكثيرة تساءلت عن مدى قدرتي على تحقيق توازن بين هذين القسمين من الدماغ، وإلى أي درجة أُعتبر شخصا أيمن أو أيسر الدماغ.

لطالما أعجبت بأصدقاء لي بارعين في التحليل يجيدون كل ما هو مرتبط باكتساب اللغات الجديدة أصحاب المنطق السليم..

لطالما قلت في نفسي أنهم يساريو الدماغ بدون منازع، إن أقروا قاعدة فإنهم يتبعونها، يميلون للتصميم ولا يقبلون الأشياء على عواهنها، لكنهم في المقابل قليلو التعبير، تخونهم الكلمات عندما يتحدثون مع أحد وجها لوجه وغالبا ما تجدهم أشخاصا يصعب الاطلاع على دواخلهم وتصعب قراءتهم.

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي

لا أنكر إعجابي بهم ولكن إيماني المطلق أمنحه لأولئك الذين يسيطر عليهم الحدس فيتخذون قراراتهم عفو الخاطر وينفذونها بحسم؛ يفتقرون الإحساس بالوقت، يفضلون الاسترخاء ويحبون سماع الموسيقى والرقص تحت المطر، نظرتهم للأشياء رحبة ويحظون بروح الدعابة، إلا أنهم يميلون كل الميل لمشاعرهم والمشاعر وحدها لا تصنع مستقبلا.

كنت ولا زلت إنسانة يقودها حدسها الذي يخونها في غالب الأحيان، ومع ذلك تتبعه دائما لأنها تؤمن أنه يوما سيكون خير دليل لها.

ولعل المرات التي أعطيت فيها الكلمة لعقلي تبقى معدودة فقط؛ في الأوقات الصعبة عندما أتعثر فإني أستنجد بالمنطق، عندما يخيب أحدهم أملي لا أتردد في تطبيق مقولتي: لا تترك مساحة في حياتك لمن يعرقل سيرها.

كنت ولا زلت ميالة للموسيقى والفن والأدب، يلائمني الثبات والهدوء في بعض الحالات.

وقد قادتني الحكمة إلى أن أقول: بين الدماغ الأيسر والدماغ الأيمن، بين الواقع والخيال، بين العقل والقلب وبين المنطق والمشاعر، بين النية الحسنة والمصالح المشتركة نحِيك أيامنا ونعقلها على الله ونتوكل..

ولعل دماغنا بشطريه المتكاملين لا على طرفي النقيض كما يقال يساوي ذهبا ألماسا، لا بل يساوي حياة نحياها كما نريد، ولو كان لأحد الدماغيين أهمية أكثر لخلقنا الله بقسم دون الآخر ولكنه بعثنا بالاثنين معا،وخبرة السنين وحدها ستعلمك متى ستكون أحوج لدماغك الأيمن ومتى تعطي الضوء الأخضر لصديقه الأيسر.

عشر سنوات قد انقضت لأجد نفسي أستاذة اقتصاد ومشروع كاتبة ولا أشبه أيا منهما.

- الإعلانات -