خدعة الانبهار بمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي

322

- الإعلانات -

وليحذر العاقل إطلاق البصر، فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه!”، ككل ليلة، يدخل صفحة أحد “المشاهير” على الفيسبوك، وكالعادة أيضا، تظهر على وجهه علامات الانبهار بكم الإنجازات التي أنجزها هذا “المشهور”، قرأ كذا وكذا، كتب خلال السنة الماضية، وحصل على الشهادة الفلانية المعترف بها دوليا، وسافر إلى البلد الفلاني ليحضر هناك تدريبا مهما، ثم إنه خطب وتزوج، الكثير جدا من الإنجازات.

يغادر صاحبنا صفحة هذا المشهور، وينتقل إلى صفحة مشهور آخر، يقوم بنفس ما قام به في المرة الأولى، يقرأ إنجازات هذا الشخص المشهور، وربما قد يعلق أحيانا متمنيا له التوفيق، صاحبنا هذا في كل مرة يمر على إنجازات هؤلاء المشاهير يتحسر على نفسه، ويفكر في حياته البائسة -في نظره- وفي كمية الوقت التي أضاعها على مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف أن الناس فعلوا وفعلوا وهو لا زال في مكانه لم يتحرك، لا شك أن الكثيرين منا يعيشون في نفس الدوامة التي يعيش فيها صاحبنا هذا، دوامة الانبهار.

إن مشكلة مواقع التواصل الاجتماعي أنها لا تظهر إلا الصورة المثالية للأشخاص، صورتهم وهم يحصلون على الدكتوراه، صورتهم وهم يقضون إجازة الصيف في جزر المالديف، صورتهم وهم يقرؤون كتابهم الذي كان مقررا في خططهم السنوية، لكن الحقيقة أن واقع الناس وحيواتهم ليست هكذا بتاتا، فالناس يضحكون ويبكون، ينجحون ويفشلون، تأتي عليهم أوقات يمرون فيها بفترات اكتئاب، اكتئاب لا يستطيعون معه مجرد التحرك من سريرهم ليصورا لك كيف أنهم مارسوا الرياضة في الصباح الباكر.

- الإعلانات -

إن الإنسان -عموما- يعتقد اعتقادا جازما أن ما يقوم به في حياته -سواء العملية منها أو الأكاديمية، أو حتى الشخصية- أهم ما قد يقوم به شخص على وجه هذه البسيطة، فالطالب يعتقد أن اجتهاده هذا لا مثيل له، وأن ليس في الطلبة مثله، وأن المجهود الذي يقوم به “لينجح” هو من أعظم الأعمال في الحياة، مع أن الحقيقة أن ما يقوم به هذا الطالب هو الأمر العادي أصلا، فالمنتظر من الطالب أن يجتهد وينجح ويتفوق.

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي

مثال الطالب هذا، ينطبق في أحيان كثيرة على العديد من الأشخاص، فدكتور الجامعة يظن أنه أحسن من شرح، وأفضل من درس، والدكاترة -كلهم بدون استثناء- لا يقومون بواجبهم، إلا هو، فلا أحد يصنع مثل صنيعه، بل إنك قد تجد هذا الاعتقاد أيضا مترسخا فيمن يفترض فيهم السعي نحو إصلاح المجتمعات والعمل على تصحيح مفاهيم الناس الخاطئة، فتجد بعض المثقفين مثلا يظن أن ليس في الكتابات مثل كتاباته، بل وقد يستنكر أن المجتمع لم يعطه قيمته التي يستحقها، ولو نظرت إلى إنتاج هذا الشخص لوجدته عاديا جدا، بل وضئيلا مقارنة بما أنتجه الناس من قبله.

وقد تجد الفقيه يمنع الناس من أن يستفتوا غيره، ويغلظ عليهم إذا سألوا من يعتقد هو في قرارة نفسه -ولو لم يصرح- أنه أفضل منهم، ولسان حاله ومقاله أحيانا “أنا الفقه والفقه أنا”. إذا تأملت في هذا كله علمت أن لا أحد فعلا في تلك المنزلة التي وضعته فيها، وأنه في آخر المطاف بشر، مثلك مثله، وقد تكون أفضل منه، لكنك تنظر بعين الانبهار، فلا ترى إلا الصورة التي رسمتها في مخيلتك، أما الحقيقة، فبعيدة تماما.

عادي جدا أن يرغب الإنسان في مشاركة “لحظاته السعيدة” مع أصدقائه وأقربائه، فالإنسان مجبول على أن يظهر الحسن فيه ويستر السيء، وهذا للإشارة ليس عيبا ولا خطأ، ليس عيبا أبدا أن تظهر للناس الجميل وتستر القبيح، لكن الذي ليس عاديا هو كمية الانبهار التي يعيشها بعض الشباب ببعض “مشاهير” مواقع التواصل الاجتماعي، الذي ليس عاديا أن تجلد نفسك كل يوم لأنك لم تحقق ما حققه ذاك المشهور، الذي ليس عاديا البتة أن تنسى إنجازاتك البسيطة، بل وتحتقرها أحيانا.

تنسى برك بأمك وأبيك، تنسى كريم الساقين الذي ساعدته حتى اجتياز الشارع، تنسى حركاتك الطفولية أمام أختك حتى تسترق منها بسمة، ليست هناك قاعدة تقول أنه لكي يسمى الإنجاز إنجازا يجب أن يحصد الكثير من الإعجاب، ويراه آلاف المتابعين، ويهنئك عليه مئات الأشخاص.
إن الإنجازات الحقيقية هي تلك التي نقوم بها يوميا في حيواتنا البسيطة، تلك التي لا نكتب عنها في الفيسبوك.

- الإعلانات -