في المطار

1٬085

- الإعلانات -

في المطار كما في الحياة؛ تتعدد الوجهات وتختلف النيات وتتبادل الأدوار. في المطار يلبس الناس أقنعتهم للاستمرار في دورهم الأصلي، أو يغيرونها للعب دور جديد أو يزيلونها تماما لكي يرتاحوا ولو مؤقتا من كل الأدوار والألقاب.
أحب أن أجلس على أرض المطار أكبر وقت ممكن أراقب تحركات المسافرين ريثما يأتي دورنا.
يعجبني منظر الناس وهي تجري مسرعة، ولو أنها استيقظت مبكرا ما هرولت؛ أو منظرها الطفولي وهي تبكي وداع حبيب ولو علمت ما سيفعله بعد غيابها ما بكت؛ أو فرحها بلقاء عزيز ولو علمت ما سيأتي منه من متاعب ما فرحت، أو ترددها وهي تختار الهدايا والعطور وكأنه القرار المصيري في استمرار العلاقة، ولو علمت أن العلاقات تدوم بأشياء أخرى ما ترددت.

هكذا هو الإنسان، عرضة للعواطف، أسير للترقبات وضحية التقلبات.
كل يعمل على شاكلته…
هناك من يقضي لحظات الانتظار في حانة يشرب الخمور، أو في متجر يشتري العطور، أو على كرسي يقرأ السطور أو في مسجد يشكر العزيز الغفور…
ولكل وجهة هو موليها…
في المطار يلتقي رجل الأعمال مع رجل يبحث عن عمل، ويلتقي طالب العلم مع طالب الدنيا، ويلتقي المهاجر مع العائد، ومسافر جال العالم بأسره مع من يدخل المطار لأول مرة…

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي


المطار كالحياة: لا قرار فيه ولا استقرار، بل صلة بين دارين… في المطار كما في الدنيا: نشعر وكأننا غرباء أو عابري سبيل… لأننا فعلا كذلك.
يقول بعض المغاربة بأن: “طريق السعادة هو الطريق الذي يوصل إلى مطار محمد الخامس الدولي”، كتعبير على أن السعادة توجد حتما خارج الوطن، فالفقير غريب في وطنه، ومغني الحي لا يطرب، والذي يملك المواهب لا بد له من إرادة فولاذية يكسر بها وباء الانهزامية والسلبية وفقدان الأمل التي تفتك بأحلام الطموحين، فإن فقدت العزيمة أصبح المغربي يحلم باليوم الذي يتوجه فيه إلى المطار-بتأشيرة محترمة مطبوعة على جوازه الأخضر-كبوابة لعالم أحلامه ونافذة على حياة وردية سعيدة.
تمر السنين خارج الوطن فيصبح هذا المغربي بلا وطن، فلا هو يستطيع أن يبقى في بلاد يرفضها لاوعيه ولا يريد أن يتغرب فيها أولاده وأحفاده، ولا هو يستطيع أن يعيش في مغرب يرفضه وعيه ويعيش فيه في صراع دائم مع سارقي وأعداء أحلامه ومفسدي حياته الكريمة.
فيعيش هناك على أنه من هنا ويعيش هنا على أنه من هناك. عندما يريد أن يندمج يقول له الفرنسيون أو الإسبان أو الألمان بأنه لا يعرف البلد جيدا، وعندما يرجع إلى بلده يقول له المغاربة بأنه لا يعرف البلد جيدا كذلك. يراه الأوروبيون على أنه مغربي ويراه المغاربة على أنه أوروبي. فيصبح المطار هو موطنه، يلائم نفسيته المتذبذبة ويشعره بالاستقرار لدقائق وكذلك بالانتماء.
هو كذلك! المطار… وطن من لا وطن له…
وطن اللامنتمين…
مكان يجمع شمل الإنسان بمختلف أطيافه، وألوانه، وثقافاته، ولهجاته ومعتقداته…
المطار يشبه الحياة، لا قرار فيه ولا استقرار، بل صلة وصل بين دارين…

- الإعلانات -