الكامل الناقص

258

- الإعلانات -

لطالما آمنت بأن النفس البشرية لا ترقى للكمال، وأنها تملك قدرا واحدا من العظمة والجمال تتفنن عوارض الحياة في توزيعه بين ملكات الروح وشمائل النفس في توازن عجيب ما نقص في جانب إلا وزاد في جانب آخر. هي الأرزاق الإلهية التي تساوي بيننا في هذا النصيب وتبدع في نحت تجلياته التي تطفو على السطح، لتخط بذلك لوحات بشرية نتجرأ على الحكم على معانيها وجمالها دون أن ندرك أنها رسمت بنفس الألوان.

 
كما آمنت أيضا أن لكل منا روحا توأما في مكان ما تنتظر ساعة الصفر لاقتحام حياتنا دون استئذان ولا اعتذار، لتصنع تلك الفوضى الرائعة التي تحملنا إلى عوالم التماهي والانصهار، وأنه لا وجود لرفيق مثالي يصلح للكل مهما بدت لنا لوحته بهية الألوان ومتقنة الأوزان، كأنها قطعة ذهبية رغم روعتها لا تناسب المكان الناقص في الهيكل الحديدي الصدئ لأحجيتنا الناقصة.
 
هكذا هي الحياة، تناقض يحمل بين طياته انسجاما معجزا، وضعف يولد جبروتا ملغزا، في توحد للمضمون واختلاف للظاهر، الشيء الذي يجعلنا نتوقع النقص حيث وجد الكمال والقبح حيث خلق الجمال، واليأس حيث ولدت الآمال.

 

 
وفي عز هذه النظرة التأملية والفلسفية مع من يحيطوننا من أصدقاء، نصاب أحيانا بخيبة أمل بوجود أناس يفشلون في قراءة أنفسهم، لينعكس هذا الفشل إساءات لا تنتهي لمن يحيطون بهم، فيدفعوننا أحيانا إلى العتاب والحساب وأحيانا الى الإعراض والابتعاد، لنمارس بذلك تجاهلا مستمرا لا ينتهي.
هذا التجاهل الذي لا يشفي غليل ما بداخلنا من صراع متأجج، لأن الكلام المضمر أشد على النفس من المجاهر به، عكس الإفصاح والمصارحة التي تريح على الأقل ضمائرنا وتزيل ثقلا على كهولنا كانت ستزيده الأيام أوزارا لا تنتهي مع الزمن.
 
وهو السبب ذاته الذي يدفعني إلى كشف أوراقي كاملة ووضعها كلها على طاولة المكاشفة، في لحظات صراحة أقوم بها بين الفينة والأخرى، أريح فيها ضميري وأترك الباقي للطرف الآخر. وصدقوني إن قلت لكم أن الأمر يحتاج إلى شجاعة أكبر وتضحية أجسم، غير أنه مؤقت سرعان ما يزول دون أثر، عندما جعلته عاما ورميت به خارجا بصراحتي، كما تتألم الأم في مخاضها لتطلق بسمة تلقائية بمجرد سماع صراخ المولود.
 
هي عادة كثيرا ما جعلت الآخرين يتجنبونني ويعددون عيوبي التي لا أنكرها كبشر لا يدعي الكمال ولا ينشده بأي حال من الأحوال. فمن الأفضل أن يكرهك الآخرون وأنت مرتاح الضمير، على أن يحبوك وأنت تحمل بين ضلوعك كلاما يجب أن يقال، يزداد ضيقا بصدرك كلما لمحتهم يمثلون أمامك مسرحية الرشد والمثالية التي لا تليق بهم ولا نطالبهم بها أيضا.
 
كل ما أريده يا سادة شخصا صريحا مع نفسه ومعي، بكل عيوب الدنيا وبكل نواقص النفس، يتعامل معي بالشكل الذي يليق بقداسة الصداقة التي تربطنا، ولا أحسبني أطلب الكثير بذلك.

- الإعلانات -