ليلة ظلماء في القارة السمراء

1٬033

- الإعلانات -

من الأشياء التي ستلفت انتباهك إذا ما زرت العاصمة الغينية كوناكري أن الساكنة هنا لا تستفيد من الكهرباء إلا بعد غروب الشمس، مرة كل ليلتين ولمدة ست ساعات فقط. ينضاف إلى غياب الإنارة، انقطاع التزود بالماء؛ فتضطر العائلات الميسورة التي تملك أجهزة إلكترونية وآلات تقنية ترتبط بها حياتهم في هذه الظروف إلى اقتناء مولد كهربائي يشتغل بالبنزين لتبقى على قيد الحياة التكنولوجية. كنت أعيش ثلاث ليال كل أسبوع هنا طبقا لقوانين الطبيعة.

 

أنام بعد ساعة أو ساعتين من الغروب، بعد أن أتحدث مطولا إلى سمير أو هشام أو سيلان حول مواضيع متفرقة ومتشعبة ونحن نحتسي القهوة ونأكل الرغيف بالجبن. في هذه الليلالي الطبيعية التي يضيئها ضوء القمر الخافت فقط تعرفت على شخصية كل منهم… قصص حياتهم، ومخاوفهم، وتطلعاتهم، وقوتهم وضعفهم… تعرفت على الإنسان الذي يسكن كل واحد فيهم حينما يبوحون بأشواقهم الروحية أو أسرارهم الدفينة… تعرفت على نبل أخلاقهم واختلاف أحداث حياتهم… أُحسست بالطفل الذي يسكن كل واحد فيهم والذي يظهر في ضحكاتهم العفوية على أشياء تافهة وأسئلتهم البريئة المليئة بالفصول… لمست أيضا السواد الذي يحاول كل منهم أن يخفيه طيلة اليوم عندما تسطع الشمس، والذي يتجلى من خلال كلامهم واعترافاتهم الباكية في هذه الليالي الظلماء الحالكة التي لا تظهر دموعهم… عرفتهم حق المعرفة وتعرفت على إنسانيتهم المنفردة.

 

كما كنت أعيش الليلة الموالية طبقا لقوانين التكنولوجيا والإنارة والأنترنت والتزود بالماء… حينها كنت أنام في ساعات متأخرة من الليل لأني كنت أرحل من موقع إلى آخر ومن قراءة خبر لآخر ومن مشاهدة يوتوبية لأخرى ومن اتصال إلى آخر ومن محادثة افتراضية إلى أخرى… وكان سمير وهشام وسيلان يفعلون نفس الشيء بنفس الطريقة وكأننا مبرمجين لفعل نفس شيء… وكأننا نسخ من نفس الشخص.لم يكن لدينا الوقت الكافي وسط النوافذ الافتراضية المفتوحة في حواسيبنا بأن نتحدث لبعضنا البعض… كان كل منا يسبح في عالمه الخاص وكان كل منا يركب أمواجا من الحوارات الوهمية ويخلق فيها القوانين والتطلعات.

 

- الإعلانات -

كوني شديد الارتباط بالكهرباء، وأجد صعوبة كبيرة في التأقلم في أماكن طبيعية، دون سيارة أو تلفاز أو هاتف وخصوصا بدون أنترنت، وجدت الأمر صعبا ومملا جدا في بداية مقامي هنا… كنت أنتظر خلال الليلة الظلماء مجيئ اليوم الموالي لكي أعيش الليلة الإلكترونية ألبي فيها احتياجات دماغي في التواصل الافتراضي والبحث في المواقع عن كل ما هو جديد وشيق، ولكي أنشر وأدون كل ما أعيشه في هذا البلد. كانت بعض الليالي أحلك من أخرى، كتلك التي تلت عودة هشام وسمير للمغرب… وخصوصا تلك الليالي التي بقيت فيها وحيدا بعد أن تحول سيلان إلى مدينة أخرى… بقيت وحيدا في بلد لا أعرف فيه أحدا، لا شيء يؤنس وحدتي إلا حاسوبي المتنقل الذي أقوم بشحنه في الجامعة وبعض الكتب التي كنت أقرأها على ضوء بعض الشموع التي تحترق لتؤنسني. مع مرور الوقت، تعودت على غياب الإنارة الكهربائية، وبدأت أستعيض عنها بالإنارة الطبيعية، من القمر والنجوم؛ تلك النجوم التي أدركتها وكأني ألاحظها لأول مرة.

 

لك أن تتخيل أيها شابا قدِم من مدينة الرباط، واعتاد حياة تقوم كلها على الكهرباء، والأجهزة التي تعمل بها، وهو الآن مستلق على ظهره يعد النقاط الخيالية التي تزين سماء كوناكري الجميلة! وماذا عساني أفعل؟ فلا يوجد شيء لأفعله في عتمة هذا الليل سوى التأمل والتفكير أو القراءة والكتابة، والنوم أخيرا. هنا صرت أنام باكرا، ولأول مرة أحاول أن أملأ الفراغ الذي خلفه غياب الأنترنت بالحديث إلى الناس، كيفما كان نوعهم، مع حارس الإقامة، مع بائعة المياه المعدنية، أتكلم مع أي شخص حول أي شيء، فقط كي أعوض محاداثتي الطويلة مع إخواني وأصدقائي على الأنترنت.

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

زوايا الحنين

جهاد ..مريضة سرطان .

هذا الوقت سيمضي

في اليوم الموالي أخبروني بأنه لأسباب أمنية، سينقطع تيار الكهرباء عن العاصمة لمدة ثلاثة أيام قادمة! لم أُعر اهتماما كبيرا للخبر؛ فأنا لم أنته بعدُ من تعداد النجوم في سماء كوناكري.

 

هذه التجربة على قصرها، أفادتني بأشياء كثيرة، وأهمها أنها جعلتني أعيد النظر في علاقتي بالأجهزة الإلكترونية التي تبعدني عن الحياة الحقيقية ثم أعيد النظر في علاقتي مع هذه القارة التي أنتمي إليها جغرافيا.
المغرب بحكم موقعه تغرب كثيرا عن هويته الإفريقية محاولا التقرب ما أمكن من قارة عجوز لا ينتمي إليها حضاريا ولا ثقافيا ولا يتشارك معها في شيء، اللهم إلا شيء من لون البشرة والتزود الدائم بالماء والكهرباء في المدن وأغلبية القرى؛ لكن العقلية المتخلفة التي أوصلت غينيا إلى ما هي عليه هي نفسها العقلية التي تمنعنا في المغرب من النهضة الفعلية لتشكيل حضارة قوية مبنية على ثقافة إنسانية راقية: عقلية العجز والكسل والشكوى والسلبية… عقلية الرشوة والاستغلال وإخضاع الشعوب التي تكتوي بنيران الأمية والفقر، وتعاني من ويلات الاستخدام السيء للسلطة… هي العقلية نفسها، التي تتمدد وتسود في غينيا وفِي المغرب وفِي كل بلد تقبل الاستعمار ولا يزال يتقبله ثقافيا وسياسيا؛ هنا أيضا، عوض أن تكون النخبة الحاكمة في خدمة الشعب والصالح العام، يُستغل كل شيء من أجل خدمة مصالح أشخاص بعينهم، وقبل ذلك خدمة مصالح الدول الأوروبية التي وضعتهم لإحكام السيطرة على استمرار الظلام الدامس في القارة السمراء أفريقيا تضطر إلى بيع كنوزها بثمن بخس، كي تستورد تكنولوجيا تنير لها ظلمة لياليها السوداء.
وتضطر لتهجير عقولها وكفاءاتها النيرة خارج حدودها على أمل أن يرجعوا فيما بعد وينيروا طريق المنغمسين في ظلمات الجهل والتخلف… ولا يرجع إلى القليل. تفاجأت برؤية عصائر الأناناس المصنعة في بلجيكا أو البسكويت الأمريكي بجوز الهند يباع بثمن باهض في الأسواق الغينية، والحال أن هذه الفواكه الاستوائية موجودة وبكثرة في كل أنحاء البلاد! كيف يقبل الساسة المجرمون – الذين يحكمون هنا بالوكالة – بمثل هذه التبادلات التجارية التي تدمر الاقتصاد الوطني بالكامل! وكيف يقبلون باستغلال شعوبهم، وهم كانوا منهم إلى وقت قريب… كيف يقبلون بنهب خيرات بلدانهم وهم تربوا وترعرعوا فيها… وكيف يرضون بأن يكون ظاهر أرضهم مختلف تماما عن باطنها؟ تظهر على البلد الفاقة والفقر والحاجة بشدة وتبطن في دواخل أرضها الذهب والفضة والجواهر والماس. أسئلة أطرحها في كل ليلة من هذه الليالي الظلماء وسط هذه القارة السمراء.

 

Fin de la discussion

- الإعلانات -