عندما عانقت الفوضى

454
هنا حيث لا يمكنك أن تكون بمفردك، هنا حيث يسألك البعض عن قصتك فتتلعثم في الإجابة وينتهي بك الأمر إلى فوضى كلامية، يؤلمك أنك لم تعرف السبب أو أنه لم يكن مقنعا، تحاول أن تكمم فمك من حين لآخر توثيقا للشجاعة التي لا تملكها. هنا حيث الجميع يبالي مبالاة تحمل في طياتها اعترافات خطيرة، هنا الواقع الذي نجتهد كثيرا في إنكاره، هنا النوايا الحسنة التي أساء الآخرون فهمها والالتواءات الكثيرة، هنا النهايات المغلقة، هنا اعتيادنا على ذلك وتصالحنا مع كل شيء يأتي ناقصا، هنا مغامرة الحياة التي تستدرجك إلى منطقة غير آمنة وتحذرك من أن تعود إليها كي لا ترتكب حماقة أخرى.

عندما تغرق تصبح القشة عظيمة، تتمنى لو أنك نبتة صبار تتحدى اليابس وتتجاهل المطر، تتذكر كل شيء دون أن تشعر بأي شيء. كل خطأ يأخذك إلى موضع صحيح ما كنت ستصل إليه ما لم تخطئ، موجوع كلما قضم أحدهم جانبا منك وغادر، مطمئن كلما جاء أحدهم للترويح عنك، لا يتوالى عسر إلا جاء يسر بعده يطيل من عمر صلاحيتك لتصالح نفسك والأشياء من حولك بعد أن أوشكت أن تنتهي.
على ظهر أرجوحة تتأرجح ما بين الشيء وضده، تقف على قدم واحدة ليهتز توازنك، تكاد تسقط، كثيرا ما تفكر في قفزة من أجل غد قد لا يأتي أبدا، مصاب بالأمل تستنزف حاضرك، ما إن يغادر الأمل حتى يتكبد جسدك فاتورة السداد الأكبر ويتضاءل. يتشابك داخلك وخارجك ليخلقا حالة من الفوضى اللامتناهية، تعانقها لتصبح جزءا لا يتجزأ من عالمك، هذه الفوضى التي تفرض نفسها أحيانا كاختبار عابر تارة أو كنمط حياة تارة أخرى، هي مغامرة ستعانق من خلالها كابوسا مفزعا أو حلما جميلا، لن تمر دون أن تتعرق وتقلب الوسائد المبللة، لن تمر دون أن تراهن على أن تكون رائعا أو سيئا، مغامرة سيختبر فيها ذكاؤك وقدرتك على تجنب الوقوع في المآزق، ستكون مجبرا على إعمال عقلك وإجباره على الجلوس في المقاعد الأمامية ليعيش الآن.
بعد أن تصبح صديق عقلك، ستكتسب مع الوقت لياقة الانسحاب واللامبالاة من حين لآخر، سيعينك على أن تدهس الأشياء التي تزعجك دون أيما التفاتة، سيتدخل في اللحظات الحرجة لينقذك من مأزق الشعور. إن كل ما يحدث الآن هو الحياة والحياة هي اللحظة الألف أو اللحظة الأخيرة، هي صعود السلم ونزوله، هي زهرة نبتت فوق الخراب أو طائرة ورقية لم تنصفها الرياح، هي الوراء والأمام، هي الحسنة والخطيئة، هي الفرح والتعاسة، هي النجاح والرسوب، هي النشاط والتعب، هي الاستيقاظ والنوم، هي الحلم والحقيقة، هي القديم والجديد، هي الصباح والمساء، هي الانعطافات التي ستعلمك أن تحب نفسك وتعود إليها كصديق قديم، تشتري لها باقة ورود بنفسجية كل يوم، ستعلمك أن الألم ليس إلا خلايا تنقسم داخلك وكل خلية تنبت شخصا جامحا كلهم يهتفون لصالحك، ستعلمك كيف تغمر قلبك الذي جمدته الخيبات في الماء الدافئ لتكتب أهدافا جميلة، فقصة جميلة أخرى تنتظرك عند مفترق الطريق.
ستتمنى لو أنك قرأت باهتمام الرسائل التي أرسل إليك القدر دون سابق إنذار، ستجد حتما رسائل غير مقروءة، ستشعر بالامتنان لكل لحظة سيئة صنعت حاضرك وستصنع مستقبلك فيما بعد، ستتصالح مع وحدتك وتنسجم معها، ستجعل من ركامك هضبة تقف عليها لترى الوجود من نقطة أعلى، لن تقارن نفسك بأي شخص آخر، لن تهتم أن تكون أفضل من غيرك، ستقارن نفسك بنفسك وستهتم لتكون أفضل من نفسك في كل مرة، ستشعر أحيانا بأنك دخيل أو ضائع، غير أنها تظل مسؤوليتك وحدك في أن تكون سعيدا. لن تموت حينما تفارقك الروح فقط بل حين تتشابه أيامك وتتوقف عن التغيير، حين لا شيء يزداد سوى عمرك ووزنك.
افعل شيئا مختلفا يصلح حتى الشيخوخة، استرجع نظرتك للأشياء التي لم تكن قد فعلتها بعد ثم اعقد العزم على القيام بها، لكن تأكد أنك ستتأرجح ما بين الثقة والحذر وما بين الكسب والفقدان لتثبت مشابك الغسيل على أهدافك، منها ما يمكن أن يتبخر ليملأ صدرك ذعرا ومنها التي ستمنحك التفاتة أخيرة لتلحق بها.