هذا الوقت سيمضي

3٬213
لاحظت مؤخرا بأن الكثير من معارفي أصيبوا بالاكتئاب المزمن وقد تبدلت وجوههم بوجوه لم أتعودها عنهم…ذابلة… حزينة…بائسة…قاتمة…لا أتحدث عن الاكتئاب المرضي البيولوجي الهرموني العضوي، بل عن حالة الحزن الدائم، حينما يفقد الإنسان أمل تحقيق أحلامه، وتسد أمامه منافذ النجاة من حياة يظن بأنه لم يخترها، فتخور القوى ولا يبقى للإنسان حل ولا فرصة للنجاة من نفسه الكئيبة المتسخطة المتعبة سوى الانعزال والانغلاق والشكوى والتسخط والتذمر.

 
‎ألمس ذلك بشكل واضح وجلي لأن اللقاء يأتي بعد طول فراق…بعد سنوات من الفرقة…من التيه في طرق الهالكين بينما كنا نسير جنبا إلى جنب في مدارج السالكين…
الحياة تأخد كل شخص في دوامة من المشاغل المستعجلة والمشاكل المستعصية، التي يحاول كل منا حلها الواحدة تلو الأخرى…وبعد كل حل تظهر مشكلة وبعد كل فرج يأتي العسر، ثم تتجلى الحلول وتتيسر الأمور…ثم تنقلب الأمور رأسا على عقب…ثم يرزق كل شخص من حيث لا يحتسب ويجعل الله لكل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا.
 
‎أظن أن الناس أصبحت تبحث عن أشياء غير موجودة…أظن أَنها لم تفهم بعد طبيعة الحياة المتقلبة ولا حقيقتها المرة المختبئة في طبيعتها الحلوة الخضرة…لم تفهم بأن المطلوب منا ليس هو العيش في سعادة…لأن السعادة لا توجد…السعادة سلعة جديدة تسوق لدفع الناس للاستهلاك ومفهوم ليبيرالي جديد غريب عن حقيقة الحياة، التي يتعاقب عليها الليل والنهار والنظام والفوضى والحزن والفرح والبكاء والضحك والألم واللذة والفشل والنجاح.
‎ما يصطلح عليه بالسعادة غير مرتبط بظروف الثروة ولا الشهرة ولا الجمال ولا كمال الصحة البدنية، ولكنه أقرب للتحقق إذا تطابقت التوقعات بالواقع المعاش، أي أن تكون التوقعات واقعية… أن يكون الباحث عن “السعادة” واقعيا في مسعاه لا يبني توقعاته على إعلام رأسمالي يبيع له وهما يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيء؛ ولا على إعلانات تجارية تبيع له منتجات “السعادة” في صور ممتلكات ومنتوجات وأسفار ومنتجعات… “السعادة” إن وجدت فهي في أن تتقبل واقعك بشكل كامل ثم تسعى إلى تطويره ما أمكن…
‎لا أحد يشعر بما يصطلح عليه بالسعادة عندما يشتري منزلا فخما أو حينما يحوز سيارة أحلامه أو بعدما يلتقي بحب حياته أو إثر حصوله على ترقية في الشغل أو حتى حينما يفوز في ألعاب القمار.

‎صدمت قبل شهور بخبر انتحار أحد معارفي القدامى الذي أوتي من كل شيء من أشياء الدنيا الجميلة: مال وجمال وسلطة وجاه… لكي نكون صرحاء… الانتحار فكرة خالجت عقول أغلب الناس في يوم من الأيام خصوصا في فترة المراهقة والشيخوخة… لا الشهرة ولا الغنى يمنعان تنفيذ هذه الفكرة أمام الألم النفسي العميق والاكتئاب المزمن… الشهرة تزيد من غور الجراح لأن المشهور يبدل الجهد لكي يبدو دائماً في أحسن الحلل ولأنه محط الأنظار فهو في صراع مستمر ليخفي ضعفه وانكساره… والغني – الكئيب طبعا – يصدم بأن المال لا يجلب سكينة النفس ولا راحة البال… الناس تتعجب من انتحار ممثل كروبن ويليامز كان يضحكهم ولكن ظاهر الشيء خداع… يقول مصطفى محمود: لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه ولرأى عدل الموازين الباطنية برغم اختلال الموازين الظاهرية، ولما شعر بحسد ولا بحقد ولا بزهو ولا بغرور.
‎تعجبني أيضاً مقولة الممثل الكوميدي المشهور والغني جيم كاري: أتمنى أن يصبح جميع الناس أغنياء ومشهورين ويحصلوا على كل ما يتمنوه، حتى يتأكدوا بعدها أن هذا ليس هو الحل.
‎يسعد الناس بشيء واحد… شيء واحد فقط كلمة: الرضا. الغنى لا يجلب “السعادة” ولكنه يسمح للإنسان بأن يعيش تعاسته برفاهية؛ ثم إن الرفاهية تتحول مع مرور الوقت لتصبح من الضروريات عندما يعتاد الناس عليها، ثم من المسلمات عندما تكون في المتناول اليومي فيصبحون غير قادرين على أن يعيشوا بدونها، فتتوق نفوسهم إلى المزيد، من الجديد والأفضل والأجمل… نادرا ما يشعر البشر بالرضا عما لديهم بالفعل.
‎أظن أن الناس تنظر باستمرار إلى صور الناجحين والأغنياء وتتبع حياتهم اللامعة ومظاهرهم الجميلة فتقارن خير ماعندهم بسوء ما عندها… ولو علمت ما يخبئه هؤلاء من فراغ وأسقام وتناقضات لما انبهرت.
‎التجارب السلبية جزء من الحياة…ونحن هنا لكي
نحيا فقط…لكي نعيش كل تجارب الحياة بغير ترقب ولا توقع ولا بحث عن أشياء نسكت بها الغربة التي نحس بها في هذا العالم الغامض… الأصل أن نواجه المجهول الذي سيأتي ونحن على ثقة بأننا سنتكيف معه كيفما كان كيفه وكمه…لأننا كبشر قادرون على التكيف مع كل الظروف… لأنها الخصلة التي بها تفوقنا على المخلوقات وبها يتفوق كل منا على الآخر.
 
الغني الذي يتأقلم مع فقر أصابه يغتني بعد حين، ‎والناجح الذي يتكيف مع سنوات من الفشل ينجح بعد مدة، والسعيد الذي ينظر في النكبات والمصائب وكأنها جزء من الحياة … يسعد بعد حين… كل شيء يمضي.
طلب أحد الملوك من وزيره الحكيم أن يصنع له خاتماً ويكتب على الخاتم عبارة إن رأها وهو حزين يفرح وإن رأها وهو سعيد يحزن ، فصنع الوزير له الخاتم وكتب عليه: هذا الوقت سيمضي
نعم…هذا الوقت يمضي.