جهاد ..مريضة سرطان .

758

كل من سيطأ مقالي هذا، لا أريد دموعا هنا، فقد سحب منا حق البكاء.
كان يخيفني حتى النحيب، وحفاظا على ماء وجهي أصبح لزاما أن أخطو نحوه بكل ما أوتيت من عنفوان.
كأنثى لا يهدها مرض ولا خيبة ولا غيمة فرح مرت عنوة دون سابق موعد.
قررت أن نلتقي تحت سقف باهت مقشر، واختار هو استقبالي متنكرا بداخل فتاة بها من الجمال ما ينسيك غدر صديقك الأول.

سأزور مستشفى السرطان أو لعنة الدهر، سَمُّوهُ ما شئتم فألمه واحد، ولونه واحد، ووخزته واحدة وجراحه غائرة لا يلملمها شمع الزمن.
خطوة إنسانية، هذا ما يتبادر للذهن عند الوهلة الأولى، لكن لا أحد تجرأ قبلا ليصف الحزن اللصيق بهذه الخطوة.
كنت أدري أنني سأحزن حتى التخمة ولن يتبدد بسهولة ولن يتبدد أبدا.
“لكل شيء زكاة، وزكاة القلب الحزن” قالها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- واحتفظنا بها داخلنا كحقيقة لا يشوبها شك، وكفرض لا تقاعس عليه.
أكثر شيء نتفق حوله كبشر تحت مظلة الاختلاف كنعمة نحمد الله عليها جدا، أن لحظات الحزن تروضنا بطريقة مبهرة، سواء أكنا ضحاياه أو اخترناه مع سبق إصرار وترصد، وأنا هنا اخترته.
بخطوات متثاقلة، أخطو نحو الباب، كلما اقتربت مني تثاقلت أكثر.. فأكثر حتى وصلت.
ولو سئلت حينها…لاعليكم.
باب كبير جاف، تبدو الحياة بعده خاوية كأنها نست حقيبة ألوانها على طرف عين يتيم.
لاأبالغ، كانت من المرات القليلة جدا التي آمنت فيها أنه رغم قوة الكلمة وامتناننا الأبدي لها، تأتينا لحظات تصبح أمامها عقيمة، فتفلتنا، لنرتطم مثقلين بآهات مبحوحة تتأرجح بين القلب والثغر، لا نحن غنيناها قصائد تؤنس العاشقين تحت ضوء القمر ولا نحن كتبناها ملحا نقتات عليه كلما اشتد بنا الشوق والحنين.
لتترجم هذه الآهات يقف قانون الحياة عاليا وينص: “لمرة واحدة فقط لك الحق أن تسمح لشخص واحد ووحيد أن يطل على أوراق جوفك”، انتهى.
حتى أنا عند المرة الأولى استغربت قليلا، لكن بعد توالي الصفعات ستفهم أن في هذا الفصل نصفتك محكمة الحياة وستبقى ممتنا لها الدهر كله.
تتناهى إلى مسامعي قصيدة طفل اسمه يوسف، يوسف كتبها بكل ما بقي في داخله من كيماوي وأمل:

دخل الغريب إلى دمي وتسللا  *** واغتال مابين الضلوع تفتلا
مانال من جسدي الصغير مذلة *** والـقلب عـلــق بـالله تـأمـلا

بعنف استفقت على صوت به من الحزم ما أنساني خدر القصيدة الحلو على قلبي.
جهاد، عشرون سنة، طالبة مهندسة، تحب الرسم والبيانو، أربع سنوات من العلاج.
لم أكترث لما تبقى من التفاصيل حتى الوصول، توقفت هناك عند فتاة اسمها جهاد، اسم قوي، مقدس. مع كل المحاولات الدائمة لطمسه ونفيه بعيدا عن إطاره الصحيح، يظل مضيئا تتغذى عليه ألف روح وروح.
لم يثرني يوما أنهم يطلقونه على الرجال والنساء، كان همي دائما أن يكونوا جديرين به أو أن يحاولوا ذلك على الأقل.
من الزاوية الأكثر إضاءة بالغرفة، استقبلني صوت عذب، مرحبا.
على كرسي خشبي قاتم اللون، تجلس شابة هزيلة البنية، تستقبل الشمس ويتوسط أناملها كتاب.
كيف حالك أحلام؟
تلعثمت، نسيت كيف ننطق، أليس الأجدر ان أستهل أنا الحديث؟ أين كل تلك الحوارات التي حفظتها الليل كله؟ ألست هنا للمواساة؟
خرج متقطعا وكأنها المرة الأخيرة التي سأتكلم فيها.
سعدت جدا حين علمت بزيارتك، بابتسامة عريضة تنساب منها كل قطع البسكويت التي لطالما تقاسمناها مع أبناء الجيران الطيبين وغمازة تنسدل بسخاء بين الوجنة والثغر.
اعتدلت قليلا، كأنني أعطيها إشارة الانطلاق، إشارة النزيف. بأريحية مطلقة، بدأت تسرد ومقلتيها بهما الحكاية كلها.
بعدما انتهى الطبيب من إخباري، انقلب كل شيء، أقصد بدأ كل شيء.
أأسقط أم أصرخ؟ أأضمه أم أنهال عليه ضربا؟
هرولت إلى الخارج دون التفاتة، ظننت حينها أنني سأتركه عند الطبيب ليؤدبه ويعلمه أن لا يقترب لحاملي الأحلام، أو أن يبتره من جذوره ويريح البشرية من مرارته أو يحرقه فيلقي برماده عند أول مجرى صرف صحي.
كلما أسرعت أكثر انهارت أحلامي أكثر وتساقطت أكثر، انطفأ شغفي، وبهتت همتي، وتبعثرت أوراقي دون موعد ترتيب.
طالبة مهندسة يعطيها الفيزياء من الحق ما يسمح لها أن تستعمل ما تشاء من مصطلحاته.
لم أتوقف حتى باب صديقتي أو ظننتها كذلك، بكيت عاليا وضمتني بشدة، ما إن أخبرتها بما أحمل داخلي حتى بدأت تتلاشى شيئا فشيئا حتى اختفت.
استجمعت آخر ما كان بجعبتي من ثبات وهممت قائلة، السرطان ليس بالمعدي ورحلت إلى الأبد.
بها حروق وبعض كدمات زرقاء، أناملها رقيقة جدا ولون أظافرها باهت على نحو غريب، لن أنكر أنني أغيب عن حديثها أحيانا فأتأملها شبرا شبرا.
منا من يحلم بابتسامة هوليودية، ومنا من تبكي لأن خط الأيلاينر انحرف أو ظفر انكسر قبل الحفلة الفلانية، هذا ما قفز أمامي وأنا أتأملها.
بأسلوب بسيط عميق غمرني كلامها، استشعرته سكرا تارة ومرارة تارات.
لون شعرك جميل! أكانت شعيراتي مجبرة أن تطل و تحرجني؟ كاد وجهي ينفجر، عدلت غطاء رأسي وطأطأته.
لم تنتظروا مني شكرها أليس كذلك؟
إنني أحب ذرات الأمل التي مازالت تغمرنا كمجتمع من مساندات معنوية وخطوات إيخاء وتضامن.
لكنها في أغلب الأحيان تخرج عن إطارها الإنساني المحض لتغدو فضولا وتأليفا، وهذا ما حصل.
بدأت الجارات تتوافدن ، واحدة تدعو وتشد وتشجع، والأخريات ينظرن بشفقة وعلامات استفهام كبيرة فوق رؤوسهن.
منحن خاطبي الحق في تركي لأنني أصبحت أشبه كل شيء إلا الأنثى.
بمجتمعنا تراكمات هائلة من التخلف تحتاج قرنا مع براميل ماء ورد لتصفية.
على ذكره، بعد حصة العلاج الأولى، شحبت قليلا وتساقط شعري ثم هجرني.
حسبته رجلا وما الرجولة سوى وسام شريف يحملونه الشرفاء بعد ترويض طويل وجهد جهيد.
ذكر شره أحب جسدي ولا بعده شيء وأحببته وكأن به كل شيء.
يعوض، ونظرة استعلاء .
لاأدري أتجاوزته فعلا؟ لكنها أفلتته حتما، هكذا، من سمات الأنثى إفلات الحبيب الذي لا يليق بها، وإن ظلت تحبه.
تقلصت علاقاتي لكنها أصبحت بجودة عالية جدا، وضعت مكانهم كل ورود الياسمين التي لم تهدنا الحياة وكتبا، نعم صحيح، تعلمت أكل الكتب وما ضرتني يوما.
لو أنني خيرت لاخترته مرضا، لقد مدني الله بفرصة لإعادة ترتيب أولوياتي وأن يكون سبحانه أولها، أن أهرب إليه دائما، وأن أبكي أمامه وحده وما غيره مذلة.
وحدهما الوالدين يستحقان التضحية والتنازل والحب والعطاء، وحدهما لا يعوضهما شيء.
إن الصديق الصدوق ليس بالاتصالات اليومية والإشارات على الفاسبوك، إنما من يربت على كتفك ويشد بمركبك الصغير عند كل عاصفة محاولا إيصالك حيث ضفة الأمان بأقل الثقوب الممكنة.
وما الحب سوى ترفُّعٌ عن ملذات الحياة والتقاء الروح بالروح، وأن لكل أنثى من الوقت ما تريد لتتريث وتختار شريك العمر، وأن لا تنبهر بالبدايات، فلا خير فيمن يحفظ لشافعي ولا يعمل به.
أنا اليوم بعد أربع سنوات من العلاج، أنثى مجندة، واثقة من أن الغد أفضل، وأحمد الله أنه فضلني على عباده وأهداني هذه الفرصة الإلهية.
فرصة ِلَلمْلَمَة الجراح المفتوحة بخيوط من الجنة، وملء مسامات الروح بذكر الله واليقين، والعقل بالعلم والمعرفة، ومادونها هذه الركائز باطل.
وأنه لو طلبت مني أن أصف كل هذا في كلمة، لقلت بكل شموخ إشراقة لا مثيل لها، إشراقة لا ظلام يليها.
أما أنا فلا يحق لي أن أكتب بعدها.