زوايا الحنين

462

لفحَ الهواءُ وجهَه الشريف، ليلامسَ إنهاكاً وتعباً على محياه الكريم، في ظل القمر الذي أسدل ليله بكل أحماله وأثقاله على رسولنا عليه الصلاة والسلام، الذي تجرد من الموطن والأهل والعشيرة وها هي زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها التي كانت في يوم من الأيام جيشه الوحيد وعضده ووزير صدقه يجد عندها أنسه وسلواه قابعةٌ إلى جانبه طريحةَ الفراشِ ممزوجةً بالضعف والوهن، يبدو من أماراتِ وجهها أن لا حياة طويلةً بعد اليوم إنما هي سويعات معدودات، لتسمو الروحُ وتتألق في السماوات ويبقى الجسد المجرد من الحياة شاهداً على خلود صدقها ودليلاً على عظم وفائها لحبيب الله عليه أفضل الصلاة والتسليم.

خمسةٌ وعشرون عاماً متصلا لم يكن لرسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم أن ينساها في غمضةِ عين أو أن يعلن ذهاب عمرٍ من المحبة والمودة بموت أمنا خديجة رضي الله عنها، بل إن الحنين من الفطرة البشرية والنزعة الإنسانية التي زرعها الله في أفئدتنا فكانت في رسول الله عليه الصلاة والسلام أعظم ما تكون عليه وأروع ما قد تظهر به.

فإن العاطفة الصادقة التي تتوازن مع العقل الحكيم تكّون الميزان الذي أودعه الله في زوايا قلوبنا ودواخلنا المظلمة التي احترقت بنيران الأشواق وتلظت بسياط الغربة والنفي عن الأوطان فأخذت تصفر بها رياح الذكريات التي حفرت بؤراً من الآلام والأحزان في قلوب المشتاقين والفاقدين، فيشعل الأمل بها فتيلاً خافتاً يكاد أن يخبو وينطفىء، لولا صبرٌ ينزله الله على عباده المحتسبين وقوة يؤتيها لجنده المخلصين، فيجمعون شتات أنفسهم، يتماسكون في أحلك الظروف وأعتاها. يرفعون أكفاً ضارعةً شاكرة لكونهم في بلاد التضحية ووطن الدماء فقد اعتادت مسامعهم على آهات زفرت بها ثكالى فقدنا فلذات أكبادهم، فاحترقت قلوبهم لوعةً وشوقاً لمرأى أبناء أرحامهم وأجزاء أرواحهم.

أيُّ عذابٍ أشقُ على الأمِّ من فقد ضناها؟ أيُّ جلدٍ لشغاف أفئدة الأمهات أقسى من جلدِ الذكريات وحنين الكلمات، التي تتردد في متاهات العقول فيستحضرها الدماغ الذي فُطِر على غريزة النسيان عند كل موضع وفي كل مكان. إنه التضاد الذي يجمع الشيء ونقيضه النسيان والذكرى، فيكون أكثرها ألماً أقربها من أرواحنا وأدناها من ألبابنا، فإن لحظات الفقدان والوداع هي بعيداً عن مفهوم الزمان والمكان أيام وربما سنين في كل نفس ذاقتها، وتجرعت علقمتها لامست أشواكها، واستشعرت خشونتها.

وبالقربِ من تلك الأم الثكلى يمكنكم الاستماع وبوضوح إلى الصرخاتِ الدامية التي حُبست في أجوافِ أراملٍ فقدوا رفاق أرواحهم وسكنِهم ومُستقر أفئدتهم ومسكنِهم، فكوت أرواحهم بنيران الأشواق التي لا ترحم، وودعوا دنيانا بغياب من كان دنياهم وألقوا السلام على حياةٍ غادرها من كان لهم كل السلام والأمان.. فالموت الذي تخطّف أزواجهم، وأصقلهم بمرارة الفقد، وعرضهم لنهش الذكريات في منعرجات أفئدتهم وزوايا أرواحهم، التي ضاقت ذرعاً بأخيلةٍ تصتنعُها عقولهم لتخففَ وطأة الدمع عن مُقلهم، ما هو إلا من أعظم المصائبِ والنوائب التي تُقاس بشدتها وحدتها ولكن عند الأعزاء والمحبين، تُقاس بمبلغ حُبنا بهم وشوقنا إليهم ..

وإنما تُقاس بمبلغِ الأمل فيهم والتفاؤل بمحياهم، بل تُقاس بمدى تمازج الأرواح وتألف القلوب وانسجام النفس بالأخرى فكأنهما واحد، فكلُّ نفسٍ وسكنها الذي تأوي إليه في شدتها ورخائها، فإن فقد إحداهما الآخر كانت نفساً فاقدةً لشطرها خاويةً من معاني الحياة..

أما الشهقات التي كُتمت في أفواه أيتامٍ لم يعرفوا معنى الأبوةِ يوماً، بل لم يشعروا بالأمان بُرهةً.. يشتاقون لسرابٍ لم يدركوا ماهيته لطيفٍ ملون بأجمل ذكراهم وأروعها يحنون لخيالٍ تحيكه خيوط ذاكرتهم بألوان الطفولة البريئة وظلال اليتم القبيحة، محرومون، معذبون، منهكون لا طاقة لهم بحياة لا ترحم ولا تلقي بالاً لضعيفٍ مكسور محزون بل تُسقيه من كأسه وتُجرعه من علقمه وتُشربه من حنظلها القاسي حتى يترنح ويكاد أن يسقط، لولا ذلك الخيال الذي يستند عليه يبثُ إليه شكواه ويقاسمه أحزانه ..ذلك الخيال الذي بُني في العقل الباطني لكل يتيمٍ يدفعه ليستمر في مواجهة هذه الأمواج المتلاطمة في بحر حياته الدامية التي مُلئت بالمصاعب التي صقلته وأثقلت كاهله.

لكن إن أدرك الإنسان طبيعة العذاب الذي يلقاه المسلم في طريقه لإقامةِ المجتمع الإسلامي علم أنه ليس في حقيقته عقباتٍ أو سدود تصد السالك أو المجاهد عن بلوغ الغاية كما قد يتوهمُ البعض بل هو سلوك في الطريق الطبيعي الذي خطَّه الله سبحانه وتعالى بين المسلم والغاية التي أمره بالمسير إليها

هذا هو السبيل، وتلك هي سنة الله في جميع عباده الذين آمنوا به، ومن المحال أن يكون العذاب الذي يلقاه المسلم من دلائل اليأس أو القنوط بل هو الحق أن تجد في الألم والمعاناة سيراً على الطريق ودنواً من النصر وتحقيقاً لمأرب المسلمين من إقامة لمجتمع إسلامي، على أسس صادقة وبوطن يدعم هذه الغاية ويؤيدها، فالوطن الذي ننشده ونريده في وسط غربتنا، وانعدام أمننا، وذهاب هويتنا بين نازح ولاجئ ضحى بالعزيز والنفيس في سبيل الحفاظ على إسلامه، وطننا الذي نبتغيه هو الذي نقيم صروحه بجماجم أبنائنا، فتكون تضحيتنا عنوانه وإسلامنا رايته، فيزهر ياسمينه مضرجاً بدماء شهدائنا الذين اصطفاهم الله عز وجل وتشرق شمسه مبللةً بدموع الأرامل والثكالى ويغيب قمره محملاً بأماني اليتامى وأحلام الأيامى ونستنشق هواءه الذي لامس يوما جباه جبابرة الحرية وعظماء القادة الذين سقوا ترابه بدمائهم، فأثمرت أشجاره غذاء للأرواح التي ظمأت واشتاقت لشربة حرية..

فالحنين والشوق سواء كان للوطن أو للأهل ينبع عن ذكريات خطت في خرائط أفكارنا خطوطا عميقة وجروحا أليمة وندبات لا تمحى من زوايا عقولنا التي تحن وربما تئن بدون أي سبب مقنع لمكان ما أو موضع.

“والله إنك لخيرُ أرض الله وأحبُّ أرضٍ إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت..”، تلك الكلمات التي قالها رسول الله عليه الصلاة والسلام معبراً عن شوقه الكبير وحبه لعظيم لمكة، أتراه عندما أطلقها من ثغره الشريف هل اشتاق لذلك الغار القديم أم أنه اشتاق لهواء كان قد تنفسه عمه وسنده الذي وقف معه وشد من آزره ودفع عنه الأذى أم أنه حن لبسمة أُمِّنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها أم أن اجتماع تلك الأسباب وتألُفها في قلب رسول الله عليه الصلاة والسلام، جعلت من مكة أرض الذكريات المحمدية، فمن البعثة إلى الدعوة السرية ومن ثم الجهرية وانتهاءً بالهجرة النبوية …

فقد تخسف الشمس في أكباد المحزونين، وأرواح المشتاقين وقلوب الفاقدين، ومقل المتألمين ولكنها لا تخسف في كبد السماء، فالحياة تستمر بحلوها ومرها شدتها ورخائها، لا تتوقف بموت أحدهم ولا بعذاب آخر، بل تمضي مسرعةً لتعطينا ذلك الدرس بالاعتياد، الذي يشوه رفاهة شغاف قلوبنا، ليصبح أعظم المصاب موت الفؤاد تحت سياط الاعتياد …