…أزمة في الغائية والمقاصد.

202

إن من يمعن النظر في حقل المعارف والعلوم الإسلامية سيظهر له بشكل واضح وجلي علاقة التأثير والتأثر، وعلاقة الإمداد والاستمداد التي تربط بين العلوم، فبين هذه العلوم توافق وتناسق، وتداخل وتفاعل على مستوى المناهج وإن اختلفت موضوعاتها وتنوعت مجالات اهتمامها، فهي علوم يفتقر بعضها إلى بعض كمالا لا وجودا، كما يستثمر بعضها آليات منهجية يقعدها البعض الآخر، ويوظف علماء باب ما من العلم نتائج انتهى إليها غيرهم في باب آخر.

ولا ريب في أن الانشغال بقضية التكامل المعرفي بين العلوم يمثل مكسبا للأمة، وذلك لأن البحث في العلاقة الناظمة بين العلوم يسهم في التعرف على العلوم الأخرى وتحقيق الموسوعية مما يساعد في تطوير الأفكار وتحسينها، ومن ثم البناء عليها لإنتاج منظومة قادرة على تفحص الأفكار من مشارب متنوعة.
كما يحفز الذات على النهوض في مواجهة التبعية وكل أشكال الاستلاب، وتحريك عجلة الاجتهاد والتجديد، لا سيما أننا عشنا زمنا كنا فيه مجتمعا استهلاكيا، حتى العلم وضوابطه ومناهج البحث فيه كانت تأتينا نسخا جاهزة، نتعامل معها تعاملنا مع الألبسة الجاهزة، نكررها دون إعمال للتفكير. من قبيل نظريات فرويد في علم النفس ونظريات ماركس وإنجلز في علم الاقتصاد، والفلسفات الغربية وما إلى ذلك. إضافة إلى ما نعانيه من تمزق بين هويتنا والحضارة التي ندرسها عبر الأدب الفرنسي والإنجيلزي أو غيرهما.
ومن هنا صار لزاما إعادة الاعتبار لتكامل المعارف داخل المنظومة التعليمية التعلمية قصد النهوض بالدور الحضاري المنشود للأمة.


ومن أبرز مظاهر هذا التكامل، التكامل بين علوم الوحي وعلوم الكون وخاصة العلوم الإنسانية( علم الاجتماع، علم النفس…)، وماله من دور في فهم الواقع فهما سليما.
كما هو معلوم أن العلوم الإسلامية تعاني أزمة هي على حد تعبير طه جابر العلواني “أزمة منهج، وأزمة تنزيل، وأزمة تفعيل، وأزمة تصحيح مسار، وأزمة في الغائية والمقاصد.
لذلك فلن تتمكن إذا بقيت على حالها تلك من إعطاء المسلم المعاصر الرؤية المطلوبة لإعادة بناء العقل وتشكيله”.
فأصبح من الضروري على العلوم الإسلامية وخاضة علم الفقه أن تصل معارفها بعلوم الإنسان، تلك العلوم التي تمتلك على المستوى الإجرائي العديد من الأدوات والبحوث الميدانية لسبر أغوار الواقع. لأنه من المعلوم أن المعضلة الفكرية التي يعاني منها الفقه في العصر الراهن معضلة فهم الواقع قبل إصدار الأحكام الشرعية حوله.