العلم أم الدين؟

301
كلما شعر الإنسان أن هناك ما يدعم اعتقاده وإيمانه بشيء ما، زاد ارتياحه وربما ازداد إيمانه بذاك الشيء، لأننا ربما لا نبحث عن الحقيقة بل نخضع لرغبة لدينا بأن يكون ما نؤمن به صحيحاً. إذا كنت من جيل التسعينات أو الألفية فلابد أنك في يوم ما قرأت أو سمعت عن تلك القصص الأسطورية، «هتلر بدأ إحدى خطبه بآية “اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ” لكي ينشر الذهول في قلوب الناس»، لكن لا مصدر يدل على حدوث هاته الواقعة وفرضا أنها كذلك ما القيمة التي سيجنيها القرآن من استشهاد سفاح بآية من آياته، «دراسات أثبتت أن العسل يعالج الالتهابات والأمراض الخبيثة لكن العلماء تجاهلوا أنه مذكور في القرآن منذ آلاف السنين»، وفي حقيقة الأمر أن هؤلاء هم من تجاهلوا أن العسل كان يستخدم قبل الإسلام فقد كان قدماء المصريين يستخدمون العسل كغذاء وعلاج وفي التحنيط ليحافظ على أنسجة المومياوات، «أرمسترونغ لما كان في القمر سمع صوت الأذان ثم سمعه مرة أخرى لما كان في السودان فأسلم»، والرجل لم يسمع شيئًا ولم يدخل الإسلام ولم يزر السودان أصلًا، «مكة مركز العالم ولا تمر أي طائرة فوقها نظرًا لوجود مجال مغناطيسي فوقها»، لكن الأمر أقل تعقيدًا من هذا، كل ما في الأمر أن هناك اتفاقًا بين الدول بعدم مرور الطائرات فوق المراكز السياحية المهمة في العالم خوفًا على سلامتها من حدوث ضرر ما.

هاته القصص بني عليها إيمان أجيال كاملة، لكن عند ظهور حقيقتها يلحد على يدها أكثر ممن ألحد متأثرًا بأنطوني فلو قبل إيمانه، ومع أن عصر المعجزات انتهى مع نزول القرآن فإن مروجي هاته القصص ومتبني فكر الإعجاز العلمي يبحثون دائمًا عن معجزة أو بالأصح يصنعونها، قائلين لماذا يفتخر الغرب باكتشاف هذه المعلومة نحن عندنا في القرآن منذ 1400 سنة، حسنًا يا صديقي لكن لماذا انتظرت 1400 سنة إلى أن يكتشفها الغرب فتقرأها في القرآن، أم أنك كنت حينها مشغولًا بتحريم خروج المرأة من بيتها أو في مناظرة عن حكم الموسيقى في الإسلام. الكارثة أن أناسًا ذوي شهادات عالية ووجوه إعلامية شهيرة تؤثر في ملايين الناس بترويجهم لهذا الفكر المفبرك، لا يدركون أنهم بهذه الأفعال يحرجون القرآن لأنهم تناسوا أنه كتاب دين أنزِل لغرض محدد، أما الحقائق العلمية فقد تتغير مع مرور الزمن باكتشافات جديدة ونظريات جديدة، فماذا سنفعل حينها؟ هل علينا تفسير القرآن كالنسخة الجديدة من المجلة العلمية NATURE، أم علينا إنكار النظريات الجديدة لأننا لم نجد أي اَية نحرفها لتفسرها لنا كما هو حالنا اليوم مع نظرية التطور.

 

في أحد الأيام دار بيني وبين أحد الاصدقاء نقاش حول ظاهرة الإعجاز العلمي وقد كان هذا الصديق من أشرس المدافعين عنه، وقد ذكر لي آية {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُه} ثم أضاف أن قول لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ عوض يَقتُلَنَكُم هو إعجاز لأن العلم الحديث أثبت أن جسم النمل مكون من الزجاج مما يعنى أن القرآن علم بهذا الشيء قبل 1400 سنة، فاستعمل مصطلح لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ عوض يَقتُلَنَكُم لأنه الأنسب مع طبيعة جسم النمل الزجاجية، لم أكن أملك إجابةً حينها لكني حاولت إقناعه بأنه يحرج القرآن بهذا، عند رجوعي للمنزل وجدت العشرات من المواقع يؤكدون على ما قاله صديقي، فبدأت بالبحث قليلا عن طبيعة النمل وتفاجأت بمقطع فيديو لنملة تسيير على الزجاج فلاحظت مستغربا أن النملة باستطاعتها السير على الزجاج كيفما كانت الوضعية (أفقية عمودية مائلة) وأظن أن هذا متناقض مع قول صديقي، فلو كان النمل من زجاج لانزلقت النملة في الزاوية المائلة والعمودية خصوصا، لم أقتنع وشرعت من جديد في بحثي لأكتشف أن هيكل النمل كهيكل جميع الحشرات يتكون من مادة اسمها الكيتين وهي مادة صلبة مقاومة ومرنة قابلة للطي وهو ما يخالف طبيعة الزجاج تماما. شخصيًّا كنت متأثرًا فيما مضى بإحدى هذه القصص، وهي تتعلق بآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}، القصة تقول إن العلماء اكتشفوا مؤخرًا أن هناك كائنًا صغيرًا يعيش فوق البعوضة، وأن هذا هو المقصود بــ {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}، لا أنكر حينها أنني ارتجفت وقلت سبحان الله، لكن مع مرور الأيام والتدقيق في المعلومات اكتشفت أن هذا كله مجرد افتراء وفبركة. هناك فعلًا طفيلي يعيش مع البعوضة لكنه ليس فوقها بالضرورة بل قد يلتصق بها أو بإحدى جناحيها، كما أنه لا يعيش مع البعوض فقط بل مع العديد من المخلوقات، كما أنه أيضًا قد يرى بالعين المجردة، فليس في الأمر ما يعجز.
أما كان من الأفضل ألا نقحم القرآن في هاته المتاهة، ونأخذ المعنى الباطني للآية، وهو أن الله يضرب الأمثال مهما كبرت أو صغرت. المشكلة أن هذه القصص المفبركة قد تتفاقم إلى أن تصبح سببًا في أمراض وفقدان حياة الكثير من الناس، ولعل أشهرها هو ما يتعلق ببول البعير، نعم يدعون أنه شفاء للعديد من الأمراض، وبالأخص السرطان، نعم المرض الذي ضحى الكثير من العلماء في سبيل تطوير طرق علاجه، هم يعالجونه فقط ببول البعير، لكن مع القليل من التعمق في المصادر العلمية التجريبية ستكتشف أنه بول كباقي الأبوال، أي إنه مضر ويحتوي على سموم ومواد خطيرة كحمض اليوريك واليوريا مثلًا.
الكارثة أنني وجدت في إحدى مواقع التواصل الاجتماعي منشورا يدافع بشراسة عن بول البعير وقد كان كالآتي (عن حديث أنس بن مالك قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها” ففعلوا، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقاهم في الشمس حتى ماتوا”)). ونحن نقول لهم، أننا نؤمن بكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ونسلم به دون نقاش. هذا أولاً… ثانياً هل يعلم العلمانيون شاربو بول المستشرقين أن هناك شركات الدواء الأمريكية تنتج دواء يسمى بريمارين Premarin ويستخرخ من بول أنثى الفرس الحامل وهو اختصار لجملة Pregnant Mare Urine أي بول أنثى الفرس الحامل، ويوصف لعلاج أعراض انقطاع الطمث؟ قد انفطر قلبي عند معرفتي أن هاته الصفحة بها أكثر من مليون متابع ولم يلاحظ أي منهم الكم الهائل من المغالطات التي يحتويها هذا المنشور، المغالطة الأولى هي أن كون شركات الدواء تنتج دواءً من بول ما لا يعني أن ذاك البول بأكمله مفيد فالشركات تستخلص المواد التي تحتاجها فقط. المغالطة الثانية ليست في الحديث، بل وضع الحديث في إطار غير واقعي متناسين أن هذا الفعل كان مقبولا عند العرب آنذاك، وكان الرسول محمد عليه السلام يمارسه بصفته الشخصية وليس بصفته النبوية، لأنه كان فردا من هذا المجتمع العربي.
حسنا طالما أنك تؤمن بالإعجاز العلمي، لماذا لم يكتشف عباقرة المسلمين هذا، كابن الهيثم ابن سينا وابن النفيس، لماذا لم يبنوا هؤلاء اكتشافاتهم ونظرياتهم على آيات أو أحاديث بل اعتمدوا على المعرفة والتجربة مع أنه يُشهد لهم بالتدين وحفظ القرآن والأحاديث والترعرع على العلوم الشرعية منذ الصغر، ولعل ما قاله جابر بن حيان في كتاب الخواص الكبير يوضح لك الصورة: “وإننا نذكر في هاته الكتب من الخواص ما رأيناه فقط، لا ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه، بعد أن امتحناه وجربناه، فما صح أوردناه وما بطل رفضناه، وما استخرجناه نحن أيضا قايسناه على أحوال هؤلاء القوم.”
نعم إن الغوص في معاني القرآن قد يؤدي إلى استشعار معاني راقية وأحياناً علمية، لكنه مجرد استشعار معانٍ وليس إيجاد حل لمعادلة فيزيائية، وهذا طبيعي بل ومتناسب مع طبيعة وغاية القرآن فهو ليس كتاباً في العلوم الطبيعية وليس مطالباً أن يكون كذلك، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ذِكرا وليس معجماً تفسيرياً.
العلم والدين، عملتان مختلفتان تماما فلكلٍ منهما هدف ومنهجية تميزه عن الآخر، لذا فإن كفر وإيمان وأخلاق ونزوات العالم أشياء لا تهم ولا تأخذ بعين الاعتبار عند دخوله المختبر أو تحريره لورقة علمية، وكذلك نبوءة الشخص، وأضرب مثلا بقصة الرسول في معركة بدر حينما أقام مخيم الجيش على منطقة لم تكن قريبة من برك الماء على عكس الأعداء، فقام إليه الحباب بن المنذر فسأله هل فعله هذا نابع من وحي أو من قرار شخصي يبتغي به مصلحة عسكرية، فأجابه: “بل هي الحرب والخدعة والمكيدة” أي أنه قرار شخصي، فقال له: “فما هذا بمنزل” بمعنى أنه لم يوافقه الرأي، ماذا؟ ماذا؟! كيف لهذا أن يشكك في قرارات النبي لابد أنه خائن، انتظر برهة لترى ردة فعل النبي، استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه حول مكان النزول، فأشار الحباب بن المنذر بالنزول إلى قُلُب فهي كثيرة الماء العذب. فوافق النبي وأشار إلى استهلال العمل، نعم عقلية تفرق بين ما يؤمن به المرء وبين ما يحتاجه من أمور مادية لبلوغ هدف معين، استطاعت الوصول إلى قمة الازدهار والتقدم أما نحن لا داعي للتفكير فالماسونية ستفشل خططنا عاجلا أم آجلا.