إيديولوجيا العالم الافتراضي 

336

“وسائل التواصل الاجتماعي”، عبارة يرددها الكبار كما الصغار وظاهرة اخترقت البيوت، وحجزت مكانا مهما بين مختلف شرائح المجتمع في السنوات الأخيرة؛ إذ لا يخلو بيت واحد من الأجهزة الإلكترونية التي يرى فيها الكثير من الناس مفرّا من مشقات ومشاكل الحياة اليومية، كما أن هذه الوسائل تشكل عاملا مهما وحافزا لبلورة مجموعة من الأفكار والآراء، ومما يتبادر إلى ذهننا من أسئلة: ما دور وسائل التواصل الاجتماعي في النهوض بالفكر البشري؟ هل يمكن أن تكون من مسببات الانتحار الفكري والتخلي عن الهوية الفكرية؟ هل فقد المجتمع ثقته بوسائل إيديولوجية أخرى مما جعله يلجأ إلى عالم افتراضي؟

لا يمكننا إنكار الدور المهم والأساسي الذي تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي، في نشر الفكر المرموق ومسح غبار الجهل العالق ببعض الأذهان المنغلقة والمنحصرة في دائرة ضيقة من العلم. إضافة إلى أنها تشكل ميدانا يتواصل فيه الناس دون قيود وحواجز بحيث تلغى الطبقية والاختلاف الثقافي والفكري، ويتساوى الجميع ويصبح الهدف واحدا وهو طرح فكرة قابلة للنقاش والتداول والتعرف على ثقافات جديدة.

وهذا وجه آخر للاتحاد والتعايش الذي أوشكنا على فقدانه في الحياة الواقعية، الذي بدوره قد يساهم في تغيير بعض الأفكار النمطية المنتشرة. “هذا إذا تم استخدامها استخداما معقلنا” أما فيما يخص علاقة هذه الوسائل بالانتحار الفكري والذي يقصد به هنا “تخلي شخص عن رأي لطالما آمن وتشبث به ودافع عنه”، فنجد أن بعضا من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ينساقون لفكرة ما بسهولة مع أنهم كانوا يرفضونها تماما من قبل، وذلك بسبب عدة عوامل، منها بروز نشطاء اجتماعيين على هذه المواقع ومشاركتهم لأفكار جديدة أصبحت تؤثر على روادها وقد تكون سببا في تخليهم عن الهوية الفكرية، وبذلك يصبح دور مستخدم هذه المواقع هو تلقي الفكرة الجاهزة فقط، مما يجعله محدود الإبداع الفكري وبالتالي يتخلى عن هويته الفكرية والإبداعية التي تعتبر بصمة تميزه عن غيره من الكائنات العاقلة والمفكرة.

صحيح أن هناك وسائل إيديولوجية أخرى، ربما أصبحت منسية في وقتنا الحالي، كالكتب على سبيل المثال، لكن ما الذي جعل الإنسان ينفر منها ويركض نحو مواقع التواصل الاجتماعي؟ الجواب هو أن هذه الأخيرة تقدم معلومات سريعة وفي متناول الجميع وبطريقة مسلية تجعلنا نلمس الجانب الإيجابي لها، إذ إننا نجد اليوم بعض الصفحات على الموقع الأزرق “فايسبوك” متخصصة فقط في تحليل الكتب. قد يكون هذا مثيرا للانتباه وأقل تكلفة! بعد كل هذا، وكما ذكرنا من قبل يجب علينا أن نحسن استعمال هذه المواقع وأن يكون الهدف الأول والأخير من هذا الاستعمال هو تطوير الذات والفكر والرقي بهما.