أفيون الشعوب

366

سنة 1976 قام خورخيه رفائيل فيديلا بانقلاب عسكري على رئيسة الجمهورية الأرجنتينية إزابيل بيرون.

قام فيديلا بتصفية كل معارضيه،قتل وشرد واغتصب،واستغل الرغبة الأمريكية في نشر مبادئ النيولبرالية والقضاء على اليسار الشيوعي في دول أمريكا الجنوبية،فخصخص الشركات،ورفع الدعم عن المنتجات الأساسية،وفتح السوق أمام التوحش الرأسمالي.

وسع فيديلا حربه على  اليساريين،وأصبح يصفي كل معارض له،فلا يكفي أن لا تكون معارضا حتى لا تتعرض للتصفية،بل اعتبر كل من تأخر في دعمه معارضا،وكل من سكت ولم “يطبل” معارضا كذلك.

تصفيات جسدية بالآلاف،ويروي شهود عيان بأن جنود فيديلا قبل قتل النساء الحوامل يأخذون منهن أبنائهن ويسلمونهم لعائلات تؤيد الانقلاب.

لم يكن هدف فيديلا هو التصفية الجسدية فقط،وإنما القضاء على أي فكرة معارضة لمشروعه الانقلابي.

يقدر عدد ضحايا فيديلا بثلاثين ألف شخص على الأقل ما بين مختف ومقتول.

كل هذا الكلام كان يحصل بمساندة رسمية من الكنيسة الكاثولكية في الأرجنتين بقيادة بابا الڤاتيكان الحالي.

في وسط هذا الفقر والهم والاستبداد،ووقمع آراء كل معارض،في وسط هذا كله فازت الأرجنتين بتنظيم كأس العالم لسنة 1978.

أفيون الشعوب…الشيء الذي سينسي الأمهات حرقتهم على فلذات أكبادهم الذين كان فيديلا يلقيهم من الطائرات على البحر بعد أن يصفيهم جسديا.

الشعب الميت من الجوع أصلا،والذي انسحقت فيه الطبقة المتوسطة بسبب توغل الرأسمالية،وأصبح ينقسم إلى أغنياء مترفين وفقراء معدمين،هذا الشعب الذي كانت النساء فيه يخرجن في مظاهرات يطالبن بأبنائهن الذين سرقهم العسكر،هذا الشعب نسي الدم والجوع وصار مشدوها أمام التلفاز وفي الملاعب يصرخ ويهتف على إحدى عشر لاعبا يجرون وراء كرة جلدية!

وراء الملعب الذي لعبت فيه المباراة النهائية وفازت فيه الأرجنتين بكأس العالم (والذي يقال أنه كان مباعا أصلا للأرجنتين برشاوى وعمولات كانت تقدم للفرق المنافسة)؛قلت على بعد هذا الملعب ببضع كيلومترات كان هناك أكبر مركز تعذيب في البلاد والذي كان يضم أزيد من 4000 سجين.

بينما كانت الناس تصرخ فرحة بالفوز،والإعلام يهلل بقدرة الأرجنتين على تنظيم ـ بل والفوز ـ بكأس العالم رغم كل الضغوطات الخارجية ـ المزعومة طبعا ـ كان الشباب يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب في سجون فيديلا.

البرازيل…منبع المحترفين،وبلد كرة القدم بامتياز، والذي تعتبر فيه كرة القدم دين الشعب البرازيلي.

في الستينيات كان الشعب البرازيلي يرزأ تحت حكم أنظمة عسكرية دكتاتورية،شعب يعاني من الفقر والجوع والبطالة،ورغم ذلك كان عدد ملاعب كرة القدم في البرازيل أعلى بكثير من عدد المدارس والمستشفيات.

من منا لا يعرف بيليه ومنتخبه الذي كسب أكبر الألقاب العالمية،كانت السلطة تعرف جيدا كيف تستغل كرة القدم سياسيا لإلهاء الشعوب المنكوبة.

إن مشاهدة المباريات وتشجيع النوادي لم يعد ممارسة عادية يقوم بها شخص لمجرد إعجابه بناد معين،بل تطور الأمر وأصبح يشكل لدى البعض عقيدة يوالي عليها ويعادي،أصبحت كرة القدم ـ كما يقول الصحفي البريطاني أندي ويست ـ دين الشعوب!

مقالات مرتبطة

مشهادة مباريات كرة القدم والتعصب في التشجيع من بين أهم الحيل النفسية التي تستخدمها الجماهير القابعة تحت الأنظمة المستبدة خصوصا للتعبير عن نفسها.

عندما تصبح المشاهدة والتشجيع هي كل ما هو متاح للغالبية العظمى من الجماهير في ظل عدم قدرتهم على الممارسة الفعلية بسبب ضغوط العمل والارهاق بسبب الاستغلال الرأسمالي، أو حتى بسبب عدم توافر القدرات المادية أو الأماكن المتاحة لممارسة الرياضة، تزداد حدة التعصب والانتماء لدى جماهير المشجعين والمشاهدين التي لا تملك غير المشاهدة السلبية وليس الممارسة الفعلية.

وإذا ما نظرنا من جانب آخر إلى التزايد في التفاوت الطبقي الصارخ في مجتمعاتنا العربية المأزومة، فإن الرياضة، وخاصة كرة القدم، تلعب دورا متزايدا كوسيلة للصعود الطبقي بشكل فردي للرياضيين والممارسين للصعود إلى قمة الهرم الطبقي وتجاوز الفقر، وبالرغم من أن ذلك لا يتم إلا لحفنة معدودة من اللاعبين المميزين، إلا أن حلم الشهرة والثراء يلعب دوره في جذب مئات الآلاف وربما الملايين من الشباب الطامح إلى الترقي الطبقي، ولا شك أن وسائل الإعلام وأبواق الرأسمالية تلعب دورا كبيرا في تنمية وزيادة هذا الدور بالتركيز على لاعبي الكرة وإفساح صفحات الجرائد لأخبار اللاعبين وفضائحهم والعمل على استضافتهم في البرامج التليفزيونية والتركيز على جعلهم المثل والقدوة والحل الأمثل للثراء السهل والسريع لملايين الشباب، مثلهم كالفنانين والمطربين.

ومما يساعد على ذلك كون كثير من هؤلاء الرياضيين من ذوي الأصول الفقيرة والمتواضعة والذين حصلوا على تلك المراكز المميزة بفضل موهبتهم الفطرية، مما يزيد من تعاطف الجماهير معهم ويزيد من توحدهم مع نجومهم الذين يمثلون أحلامهم الشخصية في الترقي الاجتماعي والثراء والشهرة. وقد برر الكثير من المحللين أن جزء من الشعبية الكبيرة لكرة القدم، ربما لكونها مرتبطة أكثر بالموهبة الفطرية للاعب، وليس ارتباطها الشديد بالتدريب والتمرينات كما الحال في الكثير من الرياضات التي تجعلها مقصورة على فئات بعينها من المجتمع، هذا بالإضافة لسهولة ممارستها وعدم احتياجها لمعدات معينة أو أماكن ذات مواصفات خاصة.

فالمواطن في الدول الدكتاتورية يعلم أن صوته غير مسموع،ولا يسمح له بالتعبير عن رأيه ألبتة،وحتى إن سمح له بالكلام داخل إطار معين فرأيه غير مسموع وليست له أهمية.

فيلجأ هذا المواطن لتفريغ شحنة الغضب هذه في التشجيع والتعصب لفرق كرة القدم،فكما نعلم فإن الجماهير لها سلطة على الفرق التي تشجعها،وبواسطة الضغط على الفريق يمكنها إقالة المدير الفني مثلا أو استقدام لاعبين جدد.

على الجانب الآخر،لا يخفى أبدا استغلال العديد من السياسيين لكرة القدم من خلال شراء بعض الأندية  أو إنشاء علاقات شخصية مع  مشاهير الكرة،وذلك ـ أولا ـ لتعزيز شعبيتهم في قلوب الجماهير، وثانيا لإلهاء الشعوب عن قضاياه الأساسية.

يروى مثلا أن موسوليني استخدم جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة حتى تنظم إيطاليا كأس العالم سنة 1934،ويقال بأنه وصل به الحد إلى تهديد اللاعبين بالقتل إن هم لم يفوزوا بكأس العالم.

نفس الشيء قام به الدكتاتور الإسباني المعروف فرانكو،إذ كان معروفا عنه استغلال الكرة لترويج أفكاره الفاشية وتشويه خصومه.

وقبل كل مباراة كانت ترفع الشعارات والهتافات لفرانكو:”عاش فرانكو…وعاشت إسباينا!”.

كان فرانكو مشجعا متعصبا لريال مدريد،ليس لسواد عيون الريال طبعا ولكن نكاية في عدوه التقليدي برشلونة،حتى أنه بعد خسارة ريال مدريد بثلاثة أهداف مقابل لا شيء أمام برشلونة،استعمل فرانكو سلطته ونفوذه في مباراة العودة لتكون النتيجة 11 هدفا مقابل هدف واحد لصالح ريال مدريد.

بينما كان الناس منتشين بمشاهدة مباريات كأس العالم المقامة في روسيا،يقوم النظام الروسي بتهجير أهلنا في درعا،أكثر من 300000 شخص،يخرجون من ديارهم…ذنبهم الوحيد أنهم قالوا: ربنا الله!

هذا الهذيان الكروي الغاط في مفارقاته، هو ما يمنح لهذه اللعبة شعبويتها البليدة ويجعلها أفضل تعبير عن غرائز الحشد الاجتماعي والوعي الشقي..في هذه اللعبة لا يمكننا تصور أنفسنا خارج أجواء الحرب ومفرداتها. هنا تحضر لغة الحرب وسيكولوجيتها. فالمقابلة تقوم بين فريقين مؤلفين من هجوم ودفاع ووسط وحارس (مرمى)..وجمهور يحرض على المواجهة ونشيد وطني يلهب الحماسة الوطنية. هو عدو يجب هزمه وتسديد ضربات قوية باتجاه مرماه والانتصار عليه. هناك فريق يطير فرحا عند نهاية المبارة وآخر يبكي حظه العاثر. ومع ذلك لم تعد لعبة كرة القدم محلا لكبرى الاستعارات الحربية فحسب ، بل إن عالم الحرب نفسه بدا يستلهم لغته من داخل هذه اللعبة. أحيانا لا نجد أروع من القول في لحظات العدو الأكثر حرجا: الكرة اليوم في مرمى العدو.

سيكولوجية الجماهير تحمل طبيعة غوغائية تبرز كنزعة حادة ومدمرة وفوضوية كنتيجة للتكوين العشوائي لجمهور شاب يشتعل تحفزاً ، ويستثار بسهولة وينفعل بلا روية، ويجد في هذه المناسبات فرصة لإطلاق طاقته في الصراخ والتهويش.

لم يضع غوستاف لوبون جمهور الرياضة، وتحديداً جمهور كرة القدم في اعتبار مختبره الفكري الفلسفي النفسي أو الاجتماعي، وربما يعود ذلك إلى أن ذلك الجمهور لم يكن منظّماً أو لم يُشكّل وحدة اجتماعية كبرى كما هو عليها الآن، حيث تشكّل ملاعب كرة القدم دولة كبرى فيها من الخصائص الاجتماعية والنفسية التي أشار إليها غوستاف لوبون في مبحثه شبه الميداني «سيكولوجيا الجماهير».

إذا أردنا أن نستفيد من هذا المفكر الذي شهد الحرب العالمية الثانية، وشهد ظهور كيانات اجتماعية وسياسية واقتصادية تالية للحرب فلنستفد منه في قراءة السيكولوجيا العامّة لجماهير كرة القدم!

إن الكثير من الأسئلة الوجودية التي تلح على الإنسان(من أنا؟ولماذا أنا هنا؟وإلى أين أصير؟)؛هذه الأسئلة المصيرية المحورية للإنسان تتلاشى كلما كان منشغلًا على الدوام بقضايا بديلة (مهما كانت تافهة) تثير الحماسة والشغف وتُبَلِّد المشاعر وتخدر العقول. وليس أحسن من رياضة جماعية شعبية ككرة القدم لتقوم بهذا الدور، فَصَحَّ القول أن «كرة القدم أفيون الشعوب».