أحلام معلقة

455

لم أعد أؤمن بالفشل ولا أدري أصلا من هذا الذي شرع للبشرية أن تطلق اسما كهذا على أحلام لم تكتمل؛ أو لنقل إنها في بداية طريقها للتحقق.. أمس وأنا أتأمل السماء؛ والهلال يتوسطها خمنت أن الحلم يشبه إلى حد كبير الهلال في بدايته وحتى اكتماله، إذ للحلم علاقة وطيدة بالسماء فالهلال رغم صغر حجمه إلا أنه ينير دنيا بأكملها يزيل عتمتها ويكشف ظلمتها هو يفعل هذا، تماما كالحلم الذي يشق بنوره القلوب فيسوي منعرجاتها ويضيء طرقاتها ويمسح ما علق بها من حزن.. هو مهما بدا للناس صغيرا غير أن فعله عظيم وشأنه عال جدا فلم أجد يوما أن أحدا يحلم أو يمني نفسه أو يسر إليها بأمانيه وهو ينظر إلى الأرض..

لم يحدث ذلك قط؛ إذ كلما آوى الإنسان إلى حلمه متذكرا إياه إلا وسما بنفسه وارتقى بروحه إلى السماء سارحا فيها باحثا عن شيء مشترك بينه وبينها فالسماء أرحب الأماكن التي ترحب بالأحلام والتي نهمس إليها كالحمقى بأحلامنا فترد علينا باشارات مختلفة. فيا أن يتعانق السحاب فيما بينه راسما حلمنا ويا أن تتحرك نجمة من مكانها باتجاه أختها ويا أن يمر شهاب خاطف يحمل قلوبنا.. فلذلك أجد دوما أن السماء هي المتنفس الوحيد الرحب الذي يتسع لأحلامنا والتي لا حدود لها مثلها تماما، وما تلك النجوم المتناثرة حول الهلال سواء حين يتكمل أو في بدايته إلا تشبيه بأحلامنا المتفرعة عن حلمنا الأكبر، فهو يتوسط العقد والباقي يحيط به حلما إلى الجانب الآخر.

هكذا يرسمون صورة تعجز الحروف عن وصفها، فالأحلام تضم بعضها البعض وتتمسك جيدا بما يحيط بها تماما كما النجوم.. كما العقد يجمع حباته مخافة أن تنفرط منه وتضيع.. ولذلك لم أجد تفسيرا لكلمة الفشل، بل لم أرغب البتة في جعلها تدخل قاموسي؛ إذ رغم حالات التعثر التي مررت بها إلا أنني وجدت أن ليس هنالك فشل أبدا.. بل هناك حلم تأجل لأن الله يصنعك شيئا فشيئا لكي تتحمل الحلم الأكبر لأن الحلم مسؤولية ويلزمها صنع.. فالله حتى ذاك الحين يصنعك ويقويك لكي تكون أهلا لما ستتحمل، فرسالتك عظيمة جدا وحتى تكون أهلا لها عليك أن تصقل حتى يظهر بريقك وتتعرى روحك فتلامس عمق الحلم، ولا يمكن لهذه الروح أن تتطهر إلا بصبرها على ملمات الحياة ومصائبها وأن تجدد بين الحين والآخر عزلتها وتعلق بالسماء؛ هناك حيث العلاج الحقيقي لها، هناك حيث يتم الكشف عنها ويشخص داؤها ويوصف دواؤها بأن عودي أيتها الروح إلى الأرض راضية مرضية فاسجدي لله واقتربي من أحلامك بالعمل..

اصبري على الجروح وعلى ما ستخلفه الحياة فيك من ندوب ستلتئم بعد حين، فالإنسان حتى يصل ويظهر بذاك العمق والبريق عليه أن يصبر على الطريق الوعرة إلى الحلم، وهذا تماما هو ما وصفته لي سيدة ستينية ذات يوم إذ قالت بأن الحجر في طريقه لكي يستقر بقعر الوادي يتدحرج من أعلى الجبل متعثرا بالكثير أمامه، يكون خشنا في البداية لكنه سرعان ما يكسر منه شيء ويُبْرَدُ منه شيء آخر حتى يصل إلى قعر الوادي فيستوي أملسا لا تكاد ترى به اعوجاجا والماء يغمره فيزيده بريقا، وهو كذلك الإنسان تقتص الحياة منه كثيرا لكن بالمقابل تمنحه أشياء أكثر، فهو كذلك يكون خشنا في بداية حياته مندفعا وساخطا وغاضبا من كل شيء، كلماته تلسع وجسده يؤذي لكن سرعان ما تصقله الحياة فيصبح بفضل من الله إنسانا آخر.. وقلبه كشيخ اعتزل الحياة وعاش فوق رأس جبل لا يخوض في أحاديث لا تعنيه ولا يتخذ له الكثير من الأصدقاء ولا يخشى مواجهة حلمه.. قلبه راض عنه وصالح إلى درجة صلحت معه نفسه كلها، فبذلك يواجه الحياة بثبات وعزم شديدين .. وينتهي به الأمر إنسانا بروح سكناها السماء وخطاها ثابتة على الأرض.