حاجة العلوم الإسلامية إلى التصوف

490

إن التصوف باعتباره علما يهدف إلى إصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه، كما قال الشيخ زروق في قواعده. فالتصوف إذا مداره الاختصاص في علم السلوك إلى الله عز وجل على ضوء الكتاب والسنة، فهو علم التحقق بالوجدان والمشاعر الإسلامية الصادقة، والتحلي بمكارم الأخلاق والصفات الحميدة، ويعد من أدق العلوم وأكثرها ضرورة للإنسان. فالسادة الصوفية الكرام سلكوا هذا الطريق على وجه الحضور مع الله تعالى حتى استنارت بصائرهم، وتفجرت ينابيع الحكمة من قلوبهم، وفاضت الأسرار الربانية على جوانحهم، وارتقت أرواحهم في مدارج الرقي الروحي إلى أسمى الدرجات مما يشهد لهم بطول الباع، وحسن الذوق وسعة الإدراك. فمفاتيح النفس البشرية متوقفة على علم التربية والسلوك بأصوله وقواعده، والصوفية ورثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تربية النفس وتزكيتها، وتخصصوا في ذلك، فقامت لهم أسواق من التجارب المثمرة في كل عصر، وهذه الوراثة قد أشار إليها الطاهر بن عاشور في كتابه المقاصد ”بتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العلية، والتأديب والتجرد عن الإرشاد.” فإذا عُلم هذا وتقرر، فإن التصوف بلا شك هو الجانب المكمل لعلم الفقه وعلم العقائد، ولا يخرج عن فلكها، فإذا عرفنا أن القلب علق عليه كل شيء في الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.)) وإذا أدركنا أهمية القلب في الإسلام، فإننا نجد في علوم العقائد والفقه -التي طغى عليها النظر العقلي- التفصيلات اللازمة لقضية القلب والنفس والوجدان، وهذا يشير إلى أن هناك علما مكملا لهذه العلوم، وهو علم التصوف، أو علم السلوك، -ولا مشاحة في الاصطلاح ما اتضحت المعاني-. فلا يستطيع العقل ولا الفكر الوصول إلى الكشف عن أذواق الإيمان وشعبه، ولا إلى حقيقة سلامة القلب وأنواره، أو إلى أغوار الروح ومساربها… فإذا كان علم العقائد يحدثنا عن أسماء الله عز وجل وصفاته العلى، فالتجربة الصوفية هي التي تمنح الذوق والشعور هذه الصفات وتجعلها حقائق ناطقة، وأرواحا مشرقة تفيض بأنوارها على أصحابها، وتمدهم بمكنون أسرارها، وتكسوهم من فيض جمالها وجلالها. وإذا كان الفقه يتحدث عن أحكام الصلاة مثلا، فإن التصوف هو الذي يقوم بتلازم القلب مع الجوارح للبحث عن الخشوع فيها، والخشوع محله القلب، وهو روح الصلاة والمقصود الأعظم منها، فالصلاة بلا خشوع، كالبدن الميت لاروح فيه. محاربة التصوف، يعني إماتة القلب.. تحويل العبادة إلى عبادة جوفاء.. لاروح فيها ولا حياة… فلا شك أن الكل يتفق على إحياء معاني الاتصال بالله، ومعاني القرب والحضور القلبي مع الله عز وجل… وهذا الباب لا يلج منه على الوجه الأكمل إلا أرباب السلوك من الصوفية المحققين المخلصين.