هكذا همست العصفورة: “دونكم.. الحياة أجمل”

472

تكملة لنص لم يَبتدئ بعد..

كانَ يوماً يُذيب العظام بِحرارته.. وكأن الشمس انحنت لِتُقبل أديم الأرض بِقُبلةٍ حارقةٍ مُميتة..

شَمس أيلول تأبى إلا أن تَسكب آخر ما تَبقى من حرارتها اللافحة عَلينا قَبل أن يَلجَ الخريف..

رَجعت ذاك المساء من العمل في ساعة متأخرةٍ من الليل، أَخدتُ جَسدي المُشتعل ورميتُ به تحت شتاء الحمام الباردة، وكأنني بصدد إطفاء جَمرةٍ مُلتهبة،

تأملت وجهي في المرآة جيداً لكي أتأكد من وجودي، لَمحت بعض الشُعيرات البيضاء تتسلل كل يوم في صمت مَهيب يَكاد يُشبه صمت المقابر..!!

-يا للهول، لَقد ذبل ذاك الملاك بداخلي وها قد صرت أشبه بآلة صدئة فَكت لوالبها أيام الغُربة ولَياليها.

كانت الساعة تُشير إلى الواحدة ظَلاماً، إلا من فراق الأحبة.
تأبطت حاسوبي المحمول وخرجتُ إلى شرفة الشقة التي أكتريها، لكي أسرق ضوء القمر ونَسيم الليل.

رَفعتُ بصري عالياً إلى عرائس الليل المشتعلة في قُبة السماء، بُحتُ لها بكل أحزاني وآهاتي ومع كل رفة عين، أراها تختفي لكي تتوهج من جديد.

سَمع ضوء القمر سِرّنا فأفل، تاركاً الغمام يَبكي لِدفن أحزاننا.

تأبطت أغلفة أحزاني وحملتها إلى حيث المرقد، ومن ثقلها ركنتها تحت وسادتي..

مر الليل كرفة جفن، واستيقظت قبل أن تَستيقظ الشمس من سُباتها..

فتحت نافذة غُرفتي لكي أطل على العالم الخارجي.. فلم أجد إلا عُصفورةً صغيرة تقف على شجرة صنوبر شاحبة، أوشكت أن تلفظ آخر أنفاسها..!!

وَقفت مُصغيا لهمس العصفورة من بعيد ومتأملاً للعروش الجبارة المهيبة لتلك الشجرة المنتصبة أمامي..!!

أنظر إلى العصفورة تارة وإلى تلك الشجرة المُسّنة تارةً ومحدقاً تارةً أخرى باللاشيء في صمت مهيب..
لكن هذا الصمت يَحكي كل شئ وكذلك لا شيء..

لقد أدركت مُتألماً همسات العصفورة للشجرة وذاك الحوار الذي دار بينهما،

بعد أن شكوت وحدتي لعرائس الليل والصخر.. ها هي العصفورة تَهمس للصنوبرة بحكايا دامية عن جثث الأموات المكدّسة في كل مكان تُحلق فوقه بِجناحيها.. لقد تَعبت من التحليق .. وحقَّ لها بمحطة استراحة..!!

تاهت أفكاري وفاضت عيناي بتلك الأهوال التي باحت بها حُشاشة قلب تلك العصفورة وهاجت أميالي غير بعيد لاستجداء المزيد من الأسرار والخفايا التي زادت من سواد جناحي عصفورتي.. – أو هكذا ظننتها -.

صرخت قائلاً لها بصوت غير مسموع:

-هذا قدرك أيتها العصفورة، فلا تيأسي..!! جناحاك قد يُعذبانكِ بهول عُيونك الباطنية، أما عقلي فقد حكمت عليه محكمة جمجمتي بالسجن المؤبد..

هذا العقل الثائر الذي يُعذبني، أفكر ملياً بإفراغه في حاوية للأزبال، لعل قطاً جائعاً يَظفر بعشاء رطب يملأ به معدته، ويكون لي أجر إطعامه، بيد أنني أخشى أن تُصيبه العدوى، فيتعذب مِثلي، ويضيع أجري..

حدقت العصفورة تُجاهي وغردت بصوت عميق وكأنها تقول: (إلى اللقاء فأنا ذاهبة إلى حيث تلتئم الجراح.. دونكم الحياة أجمل..)

أقفلت النافذة بعد هذا الوداع غير راغب باستقبال خيوط الشمس، فلربما أخفت هي الأخرى حكاوي لا يرغب قلبي بسماع المزيد منها..

سأختفي وراء ستائر الدجى وأختلي بنفسي.. إلى أن يَنجلي ضوء النهار..