كي لا ننسى…

648

تُفضي بنا التجربة إلى أن الحياة يتعذَّر خلوُّها من الشواغل المرهِقة للذهن دائماً والمُكِدّة للجسم أحياناً؛ وذلك أن المرءَ فيها محكوم بنوازعَ ودوافعَ تبعثه على تحسين شتى مناحي عيشه، وتُحفِّزه إلى تحقيقِ وجودِه المعنوي بين سائر أفراد جنسِه؛ فيعمدُ في كل مرحلةٍ إلى التخطيط والعمل على الوسائل التي تُيَسِّر له هذه الغاية، وتمهيدِ الطريق الذي يوصله إلى تلك المنزلة.


وفي كل مرحلةٍ تبرُز في مساره عقباتٌ تعترضه أثناء اشتغاله على إصلاح حاله؛ ثم يعمل على إزالتها كُلَّما ظهرت، وهي في إلحاحها تكاد تكون كالذُّباب؛ كُلَّما طُرِد من مكان، ما ينفك يعود إليه.


والمرءُ إذا هو سلَّم لهذه العقبات البسيطة وتهاوَن في دفعها، تراكمت وأفضي صغيرُها إلى كبيرِها، وحقيرُها إلى عظيمِها؛ شأنَ كرة الثلج حين تنحدر من سفح جبل شاهق؛ تنشأُ كُرةً صغيرةَ، ثم تنتهي بانهيار ثلجي قد يَطُمُّ على قُرىً بأكملها فيذرُها قاعاً صفْصفاً!.

في وهمنا أن الحياة تَبدأُ بدوائر ضيقةٍ جداً، فيكون نَصَبُنا وتَعَبُنَا طريقةً مُثلَى لتوسيعها حتى يزول ذاك الضيق وتتلاشى تلك الدوائر رُويداً رُويداً، لكن النتيجة التي ننتهي إليها كُلَّ حينٍ تُعلِّمنا أن الفكرة عندنا معكوسة تماماً؛ فالحياة تبدأ بدوائر واسعةٍ ما تنفك تضيق إلى أن ينتهي بنا المسار إلى تلك الحفرة الضيقة!


إن أوسع هذه الدوائر إنما تكون في مرحلة الطفولة، ثم تضيق قليلاً في مرحلة الشباب، ثم تزداد ضيقاً في مرحلة ما بعد الزواج والخوضِ ـ بشكل رسمي ـ في دوَّامةٍ غيرِ متناهيةٍ من المسؤوليات والالتزامات المتعِبة، على حين ـ ويا للعجب ـ ما يزال الإنسان يُمَنِّي نفسَه بأن الدائرة لا شك تنْفَسحُ بعد أن يكبُر أولادُه ويستقِلُّوا بحياتهم الخاصة، فتنحَلّ بذلك عنه رِبقةُ التزامه وأعبائه.

يعزُب عن نظره دائماً أن آمالَه تكبُر بوتيرة أسرعَ من غاياته، وأن تلك الغايات إنْ هيَ في الحقيقة إلا حطبٌ يُذْكِي به فتيل الآمال وجِذوة الطموح؛ فلا يصل إلى غايةٍ إلا فتحت له أبواباً أخرى كلُّ باب منها يفضي إلى مثله إلى ما لا نهاية.


وقديماً أحسن أبو الطيب المتنبي التعبير عن هذا المعنى وهو يحكي عن تقلبات الإنسان في الحياة فقال:
وَرُبَّمَا احْتَسَبَ الْإنسَانُ غَايَتَهَا وَفَاجَأَتْهُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَسَــبِ
وَمَا قَضَـى أَحَـدٌ مِنْهَـا لُبَانَتَـــهُ وَلَا انْتَهَى أَرَبٌ إِلَّا إِلَــى أَرَبِ

قرأت ذاتَ يومٍ لصديق ما معناه ” أن الأغنياء يلْقَوْن في سبيل تنميةِ ثرواتهم واللهَث وراء توسيع أملاكِهم أضعاف ما يبذله الفقراء لكسب قوت يومهم!”


فالخوف من السقوط يزداد حِدَّة، والأيادي تزداد ارتعاشاَ ودقاتُ النبض تزداد خفقاناً كُلما تقدم الصعود في درجات السلّم نحو الأعلى، في حين لا يجِدُ الصاعد على درجة أو درجتين أدنى خوفٍ أو رُهاب.


فتكون الحاجة إلى القوة ورباطة الجأش في آخر السُّلم ـ رغم التَّعب ـ أشدَّ منها في الدرجات الأولى، وذلك ما لا تُسعف به طبيعة الحياة.


هذا أبو غُدَّة في خريف عمره يكتب بيدٍ مرتعشة في كتابه “قيمة الزمن” فيقول: فأخبركَ خبرَ من بلغَ ذلك وعرفه: كلما كبِرت سِنُّك، كبُرت مسؤوليَّاتك، وزادت علاقاتُك، وضاقت أوقاتُك، ونقصت طاقتُك؛ فالوقت في الكِبَر أضيق، والجسم فيه أضعف، والصحة فيه أقل، والنشاط فيه أدنى، والواجباتُ والشواغل فيه أكثر وأشدُّ!”

إن أهدافنا من الحياة تفقد مُعظَم لذتها ـ إن لم نقل كلها ـ بمجرد تحصيلها؛ إذ الامتلاك مَدعاة إلى النسيان، والعادة باعث حثيثٌ على الملل، وهذه خدعة أخرى ما نَفْتَأ نسقط فيها كل مرة على حِدَة.


وذاكرة الإنسان في استحضار نتائج هذه التجارب ضعيفة إلى حد يبعث على الغرابة؛ فالتخرُّج والوظيفة والسكن والزواج والإنجاب ما هي إلا مظاهر ما تزالُ تثبتُ لنا هذه القاعدة واطِّرادها، ولعل ذلك من الفطرة التي جُبِلَ عليها الإنسان في هذه الحياة كي لا تنقطِع عنه أسبابُ الحياة ومادة الوجود.


إن الذين ابتكروا العجلة الدوَّارة داخل القفص لحيوان “الهامستر” لم يفعلوا ذلك عبثاً؛ إذْ هو كائن لا يعيش إلا في بيئة يركض فيها آلافَ الأميال للبحث عن قوتِ عيشه، والعجلة وإن كانت تلغي غايتَه الأصلية من الركض، إلا أنها تُمدُّه بأسباب القوة الجسدية اللازمة.
ربما نكون قد نظرنا بما يكفي إلى الجانب الفارغ من الكأس، وأوغلنا المسير في الزاوية المُظلمة، فأين الجانب المملوء من الكأس، والزاوية المشرقة من الموضوع؟

لعل أكثر ما يعطينا شيئاً من العزاء في ظل هذه الحتمية يكمُن في الإقرار بهذه الحقيقة وفهمِها، وذلك أن الإنسان قد خُلِق “فِي كَبَد” فجُعل عناؤه في راحته وراحتُه في عنائه، وأن السعادة في الأخير لا تعدو أن تكون ثمرة صغيرةً لكثير من البؤس وأن البؤس الكثير ـ لا شكَّ ـ نتيجَة للقليل من السعادة العابرة.


كل ما تقدم لا يُغيِّر من وجه الحقيقة شيئاً، لكنه قد يكسوها بشيء من الوضوح والقابلية، فقد حُكِيَ أن نحَّاتاً صنع تمثالاً لامرأة أرادها أن تكون جميلة، فخانته يداه في تنسيق ملامحها بالشكل المطلوب، فعمد إلى كسوتها بلباسٍ فاخر وتحليتها بمجوهراتٍ ثمينة، وقال:
ربما لم أستطع أن أجعلها تبدو جميلة، لكنني أستطيع أن أجعلها تبدو غنية.