سنة أخرى تمر…وماذا بعد!

585

يبدو أن السنوات في الأعوام الأخيرة أصبحت تمر كأنها تستقل قطارا فائق السرعة، قد لا يقف إلا عند محطات معينة لا تستطيع تحديد إن كانت تستحق الوقوف عندها أم لا إلا بعد مرور فترة من الزمن.

السنوات التي تمر سريعا والتي تنقص أعمارنا رقما ٱخر وتنقص من صحتنا بعضا من البركة التي جعلتها لسنين تصلب عودها في مواجهة تحديات الحياة وتنقص أرواحنا بعض الأمل في تحقيق كثير من أحلام الصبا وتنقص وجوهنا بعض نضارتها إذ تتعاقب عليها تجاعيد الزمن وتنقص عقولنا دقتها في استيعاب الأشياء وتفقد بديهتنا سرعتها وتخبرنا أن الوقت قد لا يسعفنا لمزيد من التأجيل وتسويف الأشياء.

عند نهاية سنة وعلى مشارف بداية أخرى تهاجم بعضنا أسئلة الكيف ولم ومن أجل ماذا نستمر، بينما تهاجم بعضنا الٱخر أسئلة لماذا كانت السنة كارثية لماذا لم يكن ولماذا لم يحصل هذا ولو حصل كذا…لكنت كذا.
عند نهاية سنة وعلى مشارف بداية أخرى يسيطر على بعضنا شعور باللاجدوى والحسرة ويشرع الكثيرون في ذم الرقم الذي جلب لحياتهم المزيد من الحزن والٱسى متمنين أن يكون الرقم القادم فأل خير أو جالب حظ، بينما يمجده الٱخرون متمنين بدورهم أن يلازمهم حظ السنة التي سوف تغادرهم.

يبدو أن هؤلاء تحديدا من تجدهم يحتفلون بهيستيرية عندما تدق ساعة الصفر صارخين بأعلى صوت اختزنوه طويلا داخلهم مدخرينه لهذه اللحظة بالذات التي يعلقون عليها كل آمالهم للأيام القادمة…بينما يفضل ٱخرون أن يقضوا ٱخر يوم في السنة وحيدين أو متأملين لما مر في حياتهم من أحداث وإنجازات أو إخفاقات…وبينهما أناس لا يحتفلون بقدوم أو أفول أو بعض ٱخر يكون المغزى من احتفاله إشاعة الفرح في عالم أصابه نقص حاد في الأسباب الداعية للسعادة أو فرح مؤقت يبث الأمل في النفوس.

تختلف أشكال استقبال الناس لسنة جديدة باختلاف المجتمع والثقافة والاهتمامات، تماما كما تختلف أعيادهم ومناسباتهم وأشكال تخليدها، لكن بشكل ما يبدو أن تغير رقم على يمين عدد السنة الميلادية-التأريخ الوحيد الذي يوحد عالمنا اليوم-يستحق وقفة مع الذات، وقفة اتجاه الأشياء…اتجاه اهتماماتنا، أفكارنا، معتقداتنا، أهدافنا القادمة، انجازاتنا السابقة، الأشياء التي تقف في لائحة الانتظار، أولوياتنا في الفترة القادمة، طريقة رؤيتنا للأمور وللحياة على حد سواء، طريقنا الذي اخترناه…هل يستحق العناء يا ترى أم أن تغيير الاتجاه سيكون الزاميا للاقتراب ما أمكن من النسخة الأفضل-من أنفسنا- التي نتمنى أن نكونها.

سنة أخرى تمر…وماذا بعد؟ سؤال قد تطرحه إراديا أو بشكل لا واع، لكنه سؤال يفرض نفسه…سؤال قد يجعلك تقول لنفسك إلى متى سأستمر في تأجيل الأشياء…ها هي سنة أخرى تمر ماذا لو حاولت أن أكون ذلك الشخص الذي تمنيت أن أكونه وأنا ابن العاشرة، ماذا لو اقتربت من الأشياء التي حلمت بها دوما وقلت لنفسك إما أن أفعلها الٱن أو لن أفعلها أبدا…ماذا لو صالحت ذلك القريب الذي ترددت بخصوصه كثيرا، ماذا لو أقدمت على مشروعك الذي درسته مرارا ثم جعلك الخوف تضعه في ٱخر درج بمكتبك، ماذا لو تعلمت تلك اللغة التي طالما شغفت بها أو أقدمت على تلك المغامرة التي تسكنكك ارهاصاتها كلما وضعت رأسك على وسادتك، ماذا لو كان هذا هو الوقت المناسب لاعترافك بمشاعرك لأحدهم…أو لتقديم اعتذار تأخر كثيرا …أو الوفاء بوعد تجاهلته مرار…أو الجلوس مع نفسك لبرهة تخطفها وسط زحمة الحياة وتسارع ايقاعها…ربما تكون تلك الجلسة هي ما تحتاجه ليكون تغير رقم على يمين السنة الميلادية شيئا يستحق أن يخلد ويعاش.