المفهوم الثنائي للإنسان كأساس لفهم الإسلام: قراءة في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب

528

يعتبر “الإنسان” مفهوما مركزيا في الثقافة والعلوم الإسلاميين، فالإسلام يطرح نفسه كحل أمثل لتحقيق التوازن والسعادة للإنسان على المستويين الفردي والجماعي، ويعد الأستاذ علي عزت بيغوفيتش من كبار المفكرين المسلمين الذين حاولوا من خلال مؤلفاتهم، – وخصوصا كتابه الإسلام بين الشرق والغرب -، إظهار انفراد الإسلام كجامع للثنائيات المتعارضة التي تتسم بها الحياة الإنسانية. فبيَّن عن طريق مقاربة مقارنة، تفوقه على الاتجاهين الأساسيين في التفكير البشري: الفلسفات الروحية المجردة من جهة، والفلسفات المادية الخالصة من جهة أخرى، وبيَّن أن الصيغة الأمثل لفهم الإسلام ومنظومته الثقافية ليست إلا فهم الإنسان وتركيب بنيته واحتياجاته.

لقد أبدع الأستاذ علي عزت بيغوفيتش في إظهار “تطابق الفقه والرؤية الإسلامية مع ثنائية الحياة الإنسانية” عن طريق تفكيك نماذج من العبادات والشرائع الإسلامية؛ ونهدف في هذا المقال إلى عرض ملخص للكتاب وإلقاء الضوء خصوصا على هذه الثنائية عن طريق إيراد بعض الأمثلة، وإظهار أهمية هذا النموذج كوسيلة لفهم الإسلام وتقديمه للعالم.

لقد اعتمد الأستاذ علي عزت بيغوفيتش على تصميم منهجي محكم بدأ فيه بطرح وتصنيف وجهات النظر حول القضايا الكبرى في الحياة، كالخلق والتطور، والثقافة والحضارة، والتعليم والتنشئة، والنظرة للتاريخ، والفن والمعمار، والأخلاق، مبينا أن الآراء البشرية دائما تتنازعها فلسفتان متناقضتان: الفلسفة المادية والفلسفة الروحية. أما الفلسفة المادية والعلوم التجريبية المتصلة بها التي لا تدرك إلا الجانب المادي في الإنسان، سواء من الناحية البيولوجية (الجانب التطوري والتشابه مع الحيوان) أو من الناحية الاجتماعية (النزوع نحو المصلحة والتعاقد والتماثل)، والتي تعتبر الأخلاق، مثلا، مجرد تعبير عن المصلحة المشتركة للأفراد، كما تعتبر أن تغيير سلوك الإنسان يتم فقط عبر عوامل خارجية “برانية”، أي أن العلم “بمعنى العلم المادي” لا يرى إلا الجانب الخارجي الخاضع لقوانين مادية، وينكر الإرادة المستقلة للإنسان.

تتجلى عبقرية الأستاذ علي عزت بيغوفيتش في أنه لم يذهب إلى إبطال كامل لهذه النظرة، إنما بيَّن محدوديتها وعجزها عن استيعاب تركيب الإنسان؛ فهي فلسفة أحادية، والإنسان ليس الحيوان الخاضع تماما للطبيعة، بل هو بالأحرى الكائن الذي يحس بالغربة في الطبيعة، القادر على الاختيار بين الخضوع لها وبين تجاوزها، إنه “الحيوان الوحيد الذي يرفض أن يكون حيوانا”.
وأما الفلسفة الروحية المجردة، والتي تمثلها المسيحية (بشكلها الحالي أي المسيحية المحرفة) وهو ما سماه الأستاذ علي عزت بيغوفيتش “الدين المجرد”، فهي أيضا تلقي الضوء على جانب واحد، الجانب الفردي السامي الشخصي للإنسان، المتجلي في نزوعه نحو الدين والتساؤل، وفي غربته في الطبيعة وأشواقه وآلامه وتصرفاته المنافية للمصلحة وللعقل (من وجهة نظر مادية).

إن وجود هذا الجانب يهدم اليقين والصورة البسيطة التي تطرح بها المادية مفهوم الإنسان؛ فالدين المجرد لا يرى في العمل جانبه الإنتاجي، بل يرى جانبه الأخلاقي كمطردة للإثم، فالفراغ مسكن “الشيطان”، كما لا يرى في العقوبة جانبها الاجتماعي كحامية للمجتمع، بل جانبها الروحي كتطهير للمذنب من “الإثم”، ولا يرى أيضا في التاريخ قوانينه المادية العامة، إنما يسلط الضوء على تأثير الأفراد والعظماء، أي أثر الإرادة والحرية الإنسانية وتحديها للظروف.

بعد بيان الأستاذ لهذا التقاطب النظري الحاد بين هاتين الفلسفتين، انتقل إلى إظهار عدم قدرتهما على الانسجام في مجال التطبيق، حيث اضطرت الفلسفة المادية إلى القبول” قسرا” بالجوانب الإنسانية والدينية للإنسان، فنرى الفيلسوف المادي ماركس مثلا يُعرف الزواج بأنه علاقة مفعمة ب”الحب”، أي أنه اضطر قسرا إلى إدخال عنصر غير مادي في التعريف؛ كما اضطرت المسيحية إلى القبول بالزواج والطلاق وبالحياة الدنيا، فتحول الدين المسيحي إلى كنيسة، وهي مؤسسة دنيوية لها تنظيم وتراتبية، ولكن ما يلقي عليه الضوء هنا أن هذا القبول هو اعتراف قسري غير منسجم مع الفلسفة الأم، وهو ما قد يفسر الارتباك والتناقض بين الفكر والسلوك.

إن حقيقة الإنسان المركبة تفرض نفسها على الفلسفات الأحادية فتضطرها إلى مخالفة نفسها في مجال التطبيق، فالأفكار الأحادية لا توجد إلا في الفكر، وأكثر الأفكار نجاحا في الواقع هي تلك التي حاولت مراعاة تركيب الطبيعية البشرية ولم تصطدم بها. وقد أورد بيغوفيتش أمثلة على ذلك وسماها “الطريق الثالث”.

 

بعد بيان أن الإنسان كائن مركب تعجز عن تفسيره الفلسفات الأحادية سواء كانت روحية خالصة أو مادية خالصة، ينتقل أخيرا الأستاذ علي عزت بيغوفيتش إلى عرض الإسلام، كجامع للثنائيات على المستويين النظري والتطبيقي، وعرض نماذج للطابع الثنائي للأحكام الفقهية الإسلامية فبين أن أركان الإسلام تُعبر بجلاء عنها. ففي الشهادة الطابع الفردي الجواني المتمثل في النية، وكذلك الطابع التعاقدي الاجتماعي والسياسي، المتمثل في الشهود والإعلان. وفي الصلاة جمع بين الجانب الفردي التأملي الروحي وبين الجانب النظامي والصحي والاجتماعي، ففيها القواعد الصارمة في الطهارة والوقت والكيفيات، وهو شيء لم تألفه الأديان المجردة حيث ترمز الصلاة فيها إلى ترك الحياة الدنيا وإلى إهمال النفس والبدن حتى كان الرهبان يتفاخرون بأنهم لا يلمسون الماء لمدة أشهر إلا حين يعبرون الأنهار.

كذلك الزكاة هي جمع بين الصدقة الروحية وبين الضريبة المادية الملزمة. وهنا أشار المؤلف إلى أن الأوقاف، ذلك الشكل الفريد من الاقتصاد الذي لم ينص عليه الإسلام وإنما أبدعه المسلمون كامتداد لروح الزكاة، هي في حقيقتها اقتصاد بهدف أخلاقي.
كذلك الصوم، فهو يجمع بين العبادة الروحية والعادة والمناسبة الاجتماعية، والحج أيضا هو موسم روحي لكنه مؤتمر اقتصادي وسياسي في نفس الوقت. وإذا نظرنا لأركان الإسلام بشكل متكامل وكلي فسنلحظ أيضا هذه الثنائية بين الصلاة والزكاة .

ويلاحظ هنا المؤلف أن الالتزام بأركان الإسلام يفرض على المسلمين قدرا من التطور المادي التكنلوجي، وهو التفسير لتطور علوم الفلك والرياضيات (الجبر) والصرف الصحي وغيرها، إذ المسلمون بتطبيقهم أركان الإسلام فقط لابد أن يكون لديهم قدر من الحضارة. ويجسد هذا موقف الإسلام من الطبيعة وعلومها: فالإسلام يُبرز ما في المادة من جمال ونُبلٍ كما هو الحال بالنسبة للجسم في موقف الصلاة، والممتلكات في الزكاة ويستفز العقل الإنساني للملاحظة والاهتمام بالعالم الخارجي. ولهذا استعملت المساجد كمبان دراسية، ونزع المسلمون إلى الاهتمام بالمعمار، فهو فن يجمع بين الجمال والوظيفة، ويبتعد عن التجسيد الذي تميزت به الوثنيات، فهو لا يعتبر الدنيا مملكة الشيطان التي يجب هجرها، ولا المكان الوحيد الذي يجب العمل فيه ومن أجله.

لم يكتف الأستاذ بيغوفيتش ببيان هذه الثنائية في أركان الإسلام بل بيّن أنها سمة عامة في كل المفاهيم الإسلامية، ففي التشريع يجمع الإجماع في أصول الفقه بين مبدأ الصفوة ومبدأ العدد معا. ففي الإجماع هناك الصفوة النوعية (الأرستقراطية)، كما يحضر الجانب العددي (الديمقراطية) كما يعبر كل من مصدري التشريع القرآن والسنة عن “الإلهام والخبرة، الخلود والزمن، التفكير والممارسة، الفكرة والحياة”. والعقوبات الجنائية تجمع بين العقاب وحماية المجتمع، كما يعبر مفهوم الأمة عن الجمع بين الجانب الروحي والسياسي.

وإذا نظرنا إلى المحرمات الإسلامية فسنجد على رأسها “الخمر”، فالإسلام هنا لا يسلك مسلك الأديان الروحية المجردة التي كانت تتساهل مع كميات قليلة منه لتحقيق “النشوة” الروحية.. فالدين هنا كما في الطهارة يسلك مسلك النظام والصحة.
ويقارن الأستاذ بين الشخصية النموذجية في المسيحية “الراهب” وفي المادية ” الفارس”، أما الشهيد في الإسلام فهو اتحاد الراهب والفارس. وبعد أن يستعرض المؤلف أوجه الثنائيات في الإسلام، والتي تعبر عن انسجامه مع طبيعة الإنسان الثنائية أكثر من أي نظام أو فلسفة أو دين آخر، يختم ببيان حقيقة عميقة حول مفهوم الإسلام، فيبين أن الإنسان مهما اجتهد في الحياة فهو محكوم ب” الأوضاع الحدية”، بالقدر، ليبقى دائما قدر من المعاناة والألم في الحياة.
والإسلام لم يُعرّف بالتكاليف التي يطالب بها الروح والنفس والبدن، إنه كما يقول الأستاذ: عَرَّف بشيء يشمل ذلك كله ويسمو عليه، من لحظة فارقة تنقدح فيها شرارة وعي باطني، من قوة النفس في مواجهة مِحن الزمان، “إنه استسلام لله والاسم إسلام”.

إن المقاربة الثنائية لفهم الإسلام التي قدمها الأستاذ علي عزت بيغوفيتش هي المقاربة الأمثل لإظهار الأبعاد الإنسانية العميقة للإسلام والتي تفسر قوته واستمراره عبر التاريخ، كما أنها تحل ألغاز كثير من الأحكام الإسلامية وتُمكن من إدراك الحكمة منها؛

إن مدارسة هذا الكتاب هي مفتاح لفهم الإسلام وموقعه في العالم، في عالم الأفكار والنظم والثقافات.