أيقونة الشبكة

184

فجأة انقطع تيار الشبكة، شبكة الربط اللاسلكي.
في بداية الأمر ظننت أن الانقطاع سيكون لفترة قصيرة من الزمن، كما يحدث في كثير من الأحيان، جراء أعمال الإصلاح التي تكون من حين لآخر، أو بسبب سوء الأحوال الجوية في أيام الشتاء الباردة، لكن الأمر طال هذه المرة، بل طال كثيرا!
ولا بأس أن تحسوا معي بشيء مما أحسسته في تلك اللحظات التي انقطعت فيها خدمة الشبكة، سيقول قائل: بل نحن أدرى بتلك التجربة، فقد مررنا بها على الأقل مرة أو مرتين.

أقول: العديد مر بتجربة انقطاع شبكة النت فقط، ولكن تجربة انقطاع شبكة اللاسلكي وخدمة وكلاء الاتصال بصفة كلية ولمدة طويلة، هو أمر قلما يحدث في قلب المدن، التي يعتبر الاتصال فيها بمثابة شريان الحياة وعصب كل التحركات، بل هو الوسيلة الأهم لربط العلاقات بين الأفراد، والجماعات، والمجتمعات في وقتنا الحاضر.

الحاصل، أنني شعرت ذلك اليوم بشيء من التيه والضياع بل شعرت بالكثير منه، حقا إنه ضياع مفاجئ ورهيب، يعكس درجة ارتباطنا وارتباط مصيرنا بتيارات لاسلكية، عبارة عن أمواج كهرومغناطيسية تشبه أمواج الراديو غير المرئية، قد نعتبرها حقيرة، لكنها ليست كذلك في حقيقة الأمر، عندما تكون متوفرة لدينا بوفرة، فلا نكترث لها، بل نصبح نحن أحقر كائنات موجودة حاليا على وجه الكرة الأرضية رهنت نفسها ومستقبلها لخيط دقيق ليس له وجود فيزيقي.
يا ليتكم رأيتم حالي ذلك اليوم الذي غابت فيه إشارة الريزو عن هاتفي، كم أصبحت مضطربا وقلقا أشد القلق، فلا تمر لحظة واحدة إلا وأقلب الهاتف علني أجد خطوط إشارة الخدمة قد عادت، لكن مع الأسف لا أجد ذلك، فيزيد اضطرابي وضوحا، فأعاود عبثا البحث من جديد.

في لحظة، فكرت أن الأمر قد يكون عائدا إلى عطب في إعدادات الهاتف، فقمت بمراجعة الإعدادات، لكنني وجدتها مضبوطة ووضعها صحيح، فانتقلت بعد ذلك بسرعة عمياء للعملية التي لطالما نقوم بها في أعوص الحالات وأعقدها في تعاملنا مع الأجهزة الإلكترونية، وهي إطفاء الجهاز وإعادة تشغيله من جديد، هي عملية عبيطة في الظاهر، و أغلبنا لا يدرك لها أساسا علميا، إلا أنها تجدي نفعا في كثير من الأحايين، لكن مع الأسف هذه المرة لم تجد أي نفع، فتأكد لدي أن المشكل عائد إلى الشبكة عموما وهو خارج عن إرادتي أو إرادة هاتفي الذكي، الذي تحول في رمشة عين إلى أغبى هاتف مر معي.
لكم أن تتخيلوا نصف يوم بدون ربط لاسلكي؛ حيث يصير ذلك الهاتف أحقر شيء يمكن أن تمتلكه في حياتك، وحيث يتساوى في قيمته، بذلك الهاتف الأسود الصغير صاحب الأزرار، الذي يعد مالكوه في هذه الأيام على رؤوس الأصابع.

 

لكم أن تتخيلوا حالة القلق والتوتر التي مررت بها، فلا رسائل قصيرة ترد ولا مكالمات، ولا وسائط تواصل اجتماعي، ولا تصفح، ولا إيميلات، تلكم هي حالة الضياع، التي عشتها لنصف يوم بدون شبكة، حالة أقل ما يقال عنها أنها تشبه إجراءات نهاية العالم، أو ترقب وقوع حدث رهيب.
فلم أعد قادرا على فعل شيء معين أو مزاولة نشاط ما، سوى نشاط ترقب عودة إشارة الهاتف من حين لآخر.

بدأت الوساوس والشكوك تراودني وتتهاطل على ذهني بلا هوادة، هل يعقل هذا الأمر؟
ما الذي حدث لشبكة اللاسلكي؟ أيكون الأمر مجرد إصلاحات بسيطة؟ هل جميع البشر يعانون نفس الأمر في هذه اللحظة بالذات؟ أليس من الممكن أن يكون السبب هو عطل في الهاتف لم أكتشفه بعد؟ إلى متى سيدوم هذا الحال؟ لماذا اليوم بالذات؟ ولم لم يقع مثل هذا من قبل؟
تبا، لم أعد أطيق الانتظار، سأتصل بأحدهم لأستطلع الأمر!
آه، إنه العبث، ليست في الهاتف إشارة.
هل لهذه الدرجة ارتبط وعينا ولاوعينا بشبكة غير مرئية؟
والأكثر من ذلك، هل نحن مستعدون في لحظة فجائية لقطع جميع الاتصالات، وأنماط التواصل الحديثة، علما أن وسائل التواصل التقليدية من حمام زاجل، وتواصل عبر إرسال رسول، وتواصل بالتلغراف، و بالرسائل المكتوبة عبر البريد.. غير متاحة حاليا للكثيرين، إن لم نقل للجميع!

صدقوني، إن مجرد التفكير، وتخيل حدوث أمر كهذا، يحدث حقا ارتباكا ملحوظا في النفس البشرية.
حيث ذلك اليوم تمنيت لو انقطع الإنترنت فقط، ولم تنقطع الشبكة ككل، لكان الأمر أهون بكثير!
لا شك أننا اليوم نعيش إدمانا رقميا حادا، ولا نستطيع الفكاك منه، نعيش داخل دوامة الاتصال اللاسلكي والافتراضي، الواقع الذي أصبح يشكل جزءا كبيرا من حياتنا اليومية وعلاقتنا البينية والاجتماعية.
لكن المثير في الأمر، هو جهلنا لهذا الواقع، وجهلنا لهذا التأثير السلبي الكبير، فلا ندركه إلا بفقده، فأنا مثلا، لم أكن يوما أكترث لأيقونة خطوط الشبكة المرسومة أعلى الشاشة، بقدر ما كنت أهتم بأيقونة الشحن، فأحرص كل الحرص أن يستمر الهاتف شغالا كل وقت وحين، لكن ذلك اليوم أدركت أن لا قيمة لشحن الهاتف في غياب ربطه بالشبكة، بل لا قيمة للهاتف جملة وتفصيلا في غياب أيقونة الشبكة!