البدايات للجميع والثبات للصادقين

2٬786

تمعنت في المقولة الجامعة الشاملة التي قالها الروائي والفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي: “البدايات للجميع والثبات للصادقين”، فوجدتها تلخص كل شيء
أحب جوامع كلم الحكماء التي تختزل الحياة في كلمات والمفاهيم العميقة في جملة بسيطة مفهومة جدا… القول الموجز، قليل اللفظ وكثير المعاني يترك في النفس الأثر الكبير أكثر مما تتركه الخطابات والمقالات الطويلة، الملتوية والمتشعبة.

كلنا نعشق البدايات ونحن إليها فيما بعد، وكلنا نتساوى في البدايات ثم نتغير فيما بعد… لأن ما تحمله البدايات من غموض وأسرار يحيي الشعور ويبقينا منتبهين إلى أدق تفاصيل التجارب الجديدة، ويبقي إحساسنا في حالة توهج وأعصابنا في حالة يقظة…

تحمل البدايات من الإثارة والتشويق ما يستحق أن نعيشه، وما يُخرجنا مؤقتا من ثقل تواجدنا في حياة مملة ومؤلمة تتشابه أيامها ولياليها ولا نفهم كثيرا من معانيها…

مقالات مرتبطة

نحاول أن نبحث عن الجمال ليخرجنا من زيف وتشابه الأشياء، وأجمل شيء هو أول شيء في كل شيء… الأشياء الجديدة المبهرة وغير المكتشفة والتي لم نُحْكم سيطرتنا الذهنية عليها بعد.

 كلنا نكتب أو نحكي عن بدايات العلاقات والأحاسيس الجياشة التي نشعر بها اتجاه شخص ما، أو خلال الأيام الأولى من السفر إلى أرض جديدة، أو عندما نخوض تجربة لأول مرة، لأننا نكون على درجة كبيرة من الإلهام ونباغَث بأشياء غير متوقعة، ونعتقد أن هذه الأشياء الجديدة تستطيع ملء تلك الثقوب الوجودية، سواء كنا قلقين بشأن مستقبل غامض، أو غير آمنين بشأن مظهرنا، أو ذكائنا أو مجرد معاناتنا من الشعور بالملل المزمن من ذواتنا… نحب أن نبقى على حافة الأشياء ونترك القصص الجديدة غير المتحكم فيها تقودنا عبر تقلباتها ومنعطفاتها العديدة.



تختلف درجة الانبهار في البدايات من شخص إلى آخر، كما تختلف مدة هذه الحالة من الإعجاب بتجربة إلى أخرى… لكنها في نهاية الأمر تنتهي… ونحن بطبعنا نكره النهايات لأنها تحمل في طياتها حقيقة الحياة التي هربنا منها في البداية، وتُذكرنا النهايات الصغيرة التي ترمز إلى انتهاء حقبة من أعمارنا بالنهاية الكبيرة التي ينتهي عندها العمر كله.

 عند نهاية العواطف تظهر بداية الأخلاق وصدق النية. التاريخ يكتب عن نهاية العظماء وليس عن المبتدئين والهواة… والناس تتذكر من استمر معها حتى النهاية، وصاحبها في الأوقات الصعبة الحالكة، ورأى فيها جمال الروح الذي يبقى وليس من انبهر بجمال مظهرها الذي يفنى… الناس تثق فيمن كان صادقا في النهاية وليس من كان رائعا في البداية
ففي البداية كلهم رائعون
ولو كنا نعلم كثيرا من النهايات المؤلمة لاجتنبنا الكثير من البدايات رغم روعتها
ولو كنا نعلم بأن الكثير من البدايات الجميلة التي لم نتوقعها ستسوقنا إلى نهايات لا نريدها لما انجرفنا معها
من الناس من يجمع بدايات القصص فقط فلا ينتهي به الأمر إلى شيء
ومنهم من يعيش التجارب من البداية إلى النهاية ويصبر على الرتابة والتكرار ولو أنها تقتل فيه الشعور مرحليا؛ لأنه يضع صوب عينيه النهاية العظيمة والهدف الأسمى والمعنى الذي لا يفنى، الذي يحتاج منه تكرار الشيء مرات ومرات والثبات على المداومة عليه أياما وشهورا وسنوات، ولو أن التكرار يقتل الشعور ولا يكون جميلا دائما ..ولو أن الإحساس عند المداومة يكون مُملا للغاية.
أصدق أهداف العظماء وكل جمالها يتجلى في تحققها النهائي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في جوامع كلمه: ((إنما الأعمال بالخواتيم.))