عشقاً في لغة الضاد

444

لكلٍّ من عاشقي لغة الضاد قصته الخاصة في حبها، إلا أن قصتي وبدايات حبي لها قد تبدو مختلفة عن غيرها. بدءاً من الطفولة الجميلة وفي بداية التسعينات؛ حيث كنت أتجمد أمام شاشة التلفاز لمشاهدة أفلام الكرتون المحببة إلى قلبي لساعات وساعات وقطعة الخبز بزيت الزيتون في يدي، أذكر جيدا كيف كانت تُداع الحلقات بشارة البداية والنهاية، والتي حتما ما تكون لكلماتها ولحنها وقْعا فاتنا على مسامعي، مما يجعلني هذا أكثر حماسا وتحفيزا لحفظها عن ظهر قلب، فأرددّها وكلي فرح وحبور.

غالبا ما يكون فيلم الكرتون بسيناريوهات بسيطة الكلمات باللغة العربية لكن تحمل في طياتها معان سامية وقيما نبيلة قصد غرسها في الناشئة، وعلى سبيل الذكرى، أذكر بعضا من عناوين هاته الأفلام لطالما بقيت محفورة في أذهاننا: ريمي، كونان، بابار فيل، عهد الأصدقاء، سيمبا وغيرهم الكثير.
وفي أواخر التسعينات، تأتي مرحلة مهمة جدير بالذكر أن أعززها، ألا وهي المدرسة الابتدائية، هناك بدأت ملامح عشق أبدي بالظهور للغتي الأم، كانت على مستوى كل صف مكتبة صغيرة داخل الفصل، مجسدة في أربعة رفوف متوازية من الخشب معلّقة في الجدار ولها بابين من الزجاج، يحمل كل رفّ من الرفوف عددا متواضعا من الكتيّبات والقصص الصغيرة مرتّبة بعناية من طرف معلّمة الفصل، فكانت هذه الأخيرة تقوم بكرائها للتلاميذ بثمن رمزي ما يقارب ثلث الدرهم المغربي (أي ثلاثون سنتيما) لمدة أسبوع واحد، فكنت أستغل مصروفي اليومي الذي كان بقيمة درهم واحد في استعارة قصص “المكتبة الخضراء” و “حكايات جحا” و ملخصات سيَر الصحابيات الجليلات، هنا استأنست كثيرا بقراءة الحروف الأبجدية وبتنسيقها في الكلمات، والأفعال، وحروف الجر، والعطف، والجواب وغيرها، وكأنني أعلن عن بداية إعجاب بها.

 

 

مقالات مرتبطة

يلي هذه المرحلة حدث أعتبره في غاية الأهمية، هو مشاركتي وفوزي بمسابقة الشعر من صنف اللغة العربية على صعيد مؤسسة الثانوية الإعدادية التي أدرس بها، شاركت بأول قصيدة شعرية تخطها أناملي، فحظيت بعدها بشرف حضور ندوة شعرية لشعراء المدينة بدار الثقافة والشباب، وزاد اهتمامي باللغة العربية الفصحى عامة ثم زاد شغفي بالشعر العربي خاصة.

أما عن فترة المراهقة، فقد كان جلّ اهتمامي بالموسيقى العربية وخاصة صوت كاظم الساهر، وجوليا بطرس، وماجدة الرومي الذين أتحفوا في روائعهم باللغة العربية الفصحى. و كان أيضا للجرائد المحلية اليومية – التي يقتنيها أبي – دورا مهما في تكوين معارفي وتطور مهاراتي في التعبير و الإلقاء باللغة العربية، بالمقابل، توجد أختي الكبرى التي كانت تسلك مسلكا أدبيا محضا، فكان لي نصيب بفضلها أن أقرأ روايات نجيب محفوظ ومصطفى لطفي المنفلوطي وغيرهم، مما ساعدني هذا على أخذ فكرة عن البنية السردية وماهيتها.

بعد كل الذي سبق، تأتي مرحلة من عمري لا تشبه سابقاتها في شيء، يوم بدأت مرافقة أمي لدور حفظ القرآن الكريم وحصص الموعظة في مسجد حيّنا، وأصبحت عاشقة اللغة العربية حقّاً ويقينا، وكفاني فخراً  – كعربية مسلمة – كون كلام الله العظيم نزل بأبجدية حباني المولى بنطقها، أدركت آنذاك كم أنا جاهلة بالمعجم العربي، كم أنا أمية في علم قواعد اللغة العربية. فبالرغم من تخصصي العلمي لا زلت متشبتة بشغف المطالعة والكتابة باللغة العربية فقط، ولا تحلو لي بلغة أخرى أيا كانت.