اليوم العالمي للغة العربية… وماذا بعد؟

128

تتهافت الشعارات حول جمالية اللغة العربية وتحتفل بها المدارس والمنظمات والمؤسسات في هذا اليوم العالمي؛ باعتبارها إحدى اللغات الرسمية العالمية والأكثر انتشارا في العالم بما يقارب 422 مليون متكلم حسب الإحصاءات الأخيرة. وتهدف هذه المبادرات إلى تذكيرنا بأنها لغة الفصاحة والبيان والبلاغة، وأنها لغة الشعراء والأدباء، وتمتاز بخط عربي من أجمل الخطوط اللغوية. إضافة إلى كونها تعتبر من أدق وأغنى لغات العالم من حيث الكلمات والمعاني؛ إذ يتجاوز قاموسها 12 مليون كلمة.

في حقيقة الأمر، هذا المخزون اللغوي للعربية جدير بالذكر والتذكير، ولكن السؤال المطروح هو: لماذا تنحصر هذه الاحتفالات في تقييد أهمية اللغة العربية في الحلقة اللغوية والثقافية؟
أعتقد أن هذه اللغة العبقرية لا تقتصر على رصيدها اللغوي بل لها حمولة فكرية وعقائدية تظهر في هوية الناطق المسلم بالعربية. فكما يحمل الإنسان ADN الذي يخزن معطيات عن جيناته البيولوجية والفيزيولوجية؛ فاللغة في عقل الإنسان تحمل هويته وثقافته وتتعدى ذلك ربما إلى تحديد درجة معرفته لدينه وعقيدته.

بتعبير آخر، من عرف اللغة العربية وألم بها، يسرت له بذلك سبل معرفة واستيعاب مفاهيم القرآن والسنة، وبالتالي حقق حاجاته الدينية والمعرفية؛ بحكم أنها لغة القرآن في قوله تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [يوسف: 2]. فالقرآن لا يقرئ إلا بالعربية، ومن قرأه بلغة غير العربية إنما قرأ تأويلا وتفسيرا له.
فمن خلال التفاسير القرآنية تتجلى طريقة استيعاب وفهم القرآن، من خلال التمكن من اللغة المنزل بها. لذلك وعلى مر التاريخ تعلم الفقهاء والعلماء الفرس والعجم اللغة العربية عن ظهر قلب – كسلمان الفارسي، وسيباوايه، والفارابي، وابن سينا، وجمال الدين الأفغاني وآخرون – للتمكن من تفسير آياته وتلقينها للشعوب العالمية عن طريق الترجمة، إلى أن أصبحت لغة العلم والشعر بين العرب والعجم وبين المسلمين وغيرهم.

علاوة على ذلك، فالعجم فقهوا القرآن وكانت بلدانهم من الأكثر استقبالا وانتشارا للإسلام كماليزيا وأندونسيا، والهند، وتركيا وأفريقيا وما إلى ذلك وحتى أن نخبتهم تعلموا العربية وعلموها.

مقالات مرتبطة

أما في يومنا هذا ومع إقرار منظمة الأمم المتحدة لمنح اللغة العربية يوما احتفاليا عالميا، نجد أنفسنا نحتفل بالتراث العربي الأصيل، فنحن ربما احتفظنا بخطنا العربي الكاليغرافي، و بالموسيقى العربية من طرب ولحن وعود، و بتقاليدنا المتوارثة عن أجدادنا، وبلباسنا ولهجاتنا المختلفة من بلد لآخر وأكلتنا وكل ما انتسب للثقافة والتراث العربي.
لكن هل حقا احتفظنا بلغتنا كعامل قوي لاستمرار حضارتنا وكلبنة أساسية لبناء مجتمع متماسك وناطق بهذه اللغة وكوسيلة لإطناب دراساتنا حول القرآن؟

في رأيي، اللغة العربية لم تعد تحظى بمكانتها وأهميتها بين أصحابها وناطقيها. فمن منظور اجتماعي وإعلامي، أصبح التواصل بين الأفراد بالعربية المكتوبة بحروف لاتينية، بل اخترعت رموز جديدة للتعبير عن بعض الحروف العربية التي لا وجود لها أساسا في اللغات الأخرى. يمكن أن يظهر الأمر هينا وساذجا لدى البعض، ولكنه في الحقيقة أعمق وأبعد من ذلك؛ إذ نسمح بتغيير أبجديات اللغة بيننا وأعجمت ألسنتنا العربية وإنكار حروفها، وقواعدها وضوابطها التي حرص علماؤنا على إحكامها وتحصيلها.

ومن منظور تعليمي وأكاديمي، تحتل مادة العربية في مدارسنا اليوم صفوفا متأخرة أمام المواد الأخرى، فمع أهمية هذه الأخيرة في التحصيل المعرفي والشخصي للمتعلمين، لكنها تتجاوز العربية على مستوى الاستثمار الوقتي والبيداغوجي والتربوي.
فعلى سبيل المثال، وفي بعض المستويات، تحظى مادة العربية بأضعف معامل مقارنة بالفرنسية مما يعلل حتما عدم مبالاة أو تهاون المتعلم في تحصيل وتطوير مهاراته في العربية.
في مقابل ذلك، تطغى اللغات الأجنبية على عقول الطلبة؛ حيث يفترض على الطالب التمكن منها لاجتياز مباراة ما لولوج مجالات علمية أو اقتصادية أو فنية.
ففي ظل كل هذا المنعرج، كيف سنحافظ على لغتنا ونتمكن منها؟

دعوني أقول لكم: إن الوسيلة الوحيدة في فرض لغتنا تكون بالدرجة الأولى عبر مناهج واعية بتحديات وكيفية اشتغال اللغة العربية في المدارس، وفي بث الوعي بأهميتها داخل الأسر. وللإشارة فقط، فكل الشعوب التي تحترم نفسها دائما ما تعطي أولوية تامة للغتها.
آنئذ، فالفكرة التي أردت إيصالها من خلال هذه المقالة العلمية هو أن إجادتنا للغة العربية ستمكننا جميعا من الوصول إلى ذروة معاني القرآن وبالتالي العيش على منهجه.

فاليوم العالمي للغة العربية عساه أن يكون خلسة للوقوف مع ذواتنا والتساؤل حول مساهمتنا في خدمة لغتنا والعلو بها… كذلك وقفة لأولياء التعليم ليعيدوا النظر في البرامج التعليمية المطروحة لتصبح معاضدة ومساهمة في إعلاء اللغة.
إضافة إلى الدور المحوري للآباء في إعانة وتشجيع أولادهم للإلمام بلغتهم إلى جانب لغات أخرى. و كما أشرت مسبقا واستنادا على الأبحاث العلمية الحديثة؛ أن تعلم لغات أجنبية يزيد من الرصيد المعرفي للطفل ويطور ذكائه وكفاءاته اللغوية، التواصلية والثقافية، وهي حتى من وصايا الرسول. فلا واحدا يطرح الآخر طالما أن لغة الضاد أولاها. فالعربية جوهرية في تعريف الطفل بهويته وافتخاره بها ومساعدته على تعلم أساسيات وقيم دينه… فبذلك يكبر وأينما حل وارتحل تبقى هذه اللغة ترشده ليأخذ الدين من أصله ومصدره.

فهذا اليوم، يوم نتعهد فيه مع أنفسنا وأهلينا أن تبقى هذه اللغة حية في تواصلنا، في وثائقنا، في قراءاتنا وكتبنا ومع أولادنا، ليس لأنها عربية من أصل عربي ولكن لأنها لغة القرآن ومن فقه لغة القرآن عاش به؛ كما في وصف عائشة رضي الله عنها لأشرف الخلق: ((كان قرآنا يمشي على الأرض)) عليه الصلاة والسلام.