لأننا نحياها جميعا

168

يبدو العالم مهيبا مخيفا لدرجة أننا نتمنى في أحيان كثيرة أن نتسلق عنان السماء أو نغوص في أعماق الأرض أو ننزوي بزاوية سحيقة لا نسمع فيها صخبا غير زقزقة العصافير وخرير المياه. إن العالم من حولنا هائم وتائه، نحاول عبثا أن نتقفى أثر الوجهة التي يقصدها، وذلك الطريق الذي يسلكه دون جدوى، فلا وجهة لهذا العالم، وذلك لسبب واحد ووحيد هو أن كل فرد من أفراد هذا المعمور يسعى نحو وجهة يرى فيها مصلحته وحده، تفرقنا الأنانية أكثر مما تفعل الأسلحة النووية.

أتساءل ما الذي سيحدث لو نظرنا إلى هذا العالم من الداخل؟ ماذا سيحدث لو سخّر كل واحد منا خمس دقائق من وقته ليتأمل نفسه ويحاور روحه ويتصالح مع ذاته ومع غيره؟

إن كل ما ينقصنا لنبني عالما أفضل هو تسخير بعض من الباطن من أجل استيعاب الظاهر، أتساءل متى سننفض الغبار عن أرواحنا؟ ونزيل الغشاوة عن أعيننا؟ حتى نتمكن من استبطان أنفسنا وفهم الآخرين من حولنا؟ متى سنميز بين اللب من القشور؟ متى سنحرر العين من سطوة الظاهر ونغوص في عمق العمق؟ إلى متى سنظل هكذا متقاربين بالأجساد متباعدين بالأرواح؟ إلى متى سيحارب بعضنا البعض بسبب التفاهات؟ إلى متى ستستمر الاختلافات بكل أنواعها بتدمير إنسانيتنا ونهش جذورها؟ كم من الوقت يلزمنا لنستوعب أن ما يهم هو الجوهر وليس المظهر؟ ما السبيل إلى بناء عالم شعاره التسامح وقانونه الحب؟

 

 

مقالات مرتبطة

أسئلة لا تنتهي .. تكاد تنخر روحي،  لكن الجواب واحد يكمن في العودة إلى الذات والهجرة إلى أصقاع النفس المظلمة، واستكشاف كل أسرار ذلك العالم الغامض. لا يبدو الأمر صعبا غير أنه شبه مستحيل بالنسبة للكثيرين وذلك لعجزهم عن خوض هذه المغامرة، فقد تعلمنا كيف نواجه العالم والآخر بالانتصار لأنفسنا والتغلب على خصومنا، لكننا أبدا ما تعلمنا كيف نحارب الشر الكامن فينا، أو كيف نواجه ذواتنا المتمردة وكيف ننصت لنداء الخير داخلنا.

نسينا تماما أن اكتشاف النفس أسبق من اكتشاف العالم، فكل ما ينقصنا هو التدبر، النظر إلى الداخل وتأمل الباطن وليس الركض وراء المظاهر. فجميعنا يدرك تمام الإدراك أن الوجه الذي نخرج به للعالم ونواجه به الناس ليس الوجه الحقيقي، فالكل يضع قناعا مبتسما من أجل الاندماج اليومي. وليس في الأمر ضير طبعا، لأن الآخرين ليسوا مسؤولين عما نعيشه، والمطلوب أن نكون لطفاء مع بعضنا رحماء بغيرنا، إلا أن المشكل يكمن في أن الكثيرين منا يتجاهلون هذه الحقيقة أو يرفضون وضع أقنعتهم؛ فتجدهم بذلك يفجرون غضبهم في أول من اعترض سبيلهم، ويُسقطون بذلك أقنعة الآخرين.

تنسينا الأنانية أننا جميعا نعاني بشكل أو بآخر. ولو استوعب كل منا الآلام التي يجرها وراءه، وأننا خلقنا لتخفيف مصائب الحياة وشقائها عن بعضنا البعض. فنحن نقطن عالما واحدا وما يصيبنا واحد. قد تختلف آلامنا دون أن يسلم منها أحد، وإدراك هذه الحقيقة سيجنبنا الكثير من الاصطدامات التافهة التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى أفعال لا تمت لقيم الإنسانية بصلة.

إن الأغلبية لا توفر الوقت لمحاورة الذات ومراجعة النفس، فكيف يعقل أن نمضي في الحياة دون الالتفات إلى أعماقنا؟ إن هجران الروح، وتغييب الضمير، والانصهار السلبي في العالم الخارجي يجعلنا نعيش الحياة أمواتا.

إن جوهر الحياة أن نعيشها ونساعد غيرنا على عيشها، دون أنانية تفقدها معناها..إننا نحياها جميعا، فقيمتها تكمن في التئام الجميع لتهوين مشاق الحياة. فلندع الجوهر يتدفق على السطح حتى نتمكن من رؤية النور.. ولنتدبر.