التربية: مفاهيم وآفاق

227

 

حظي علم التربية بكثير من الاهتمام من قبل الباحثين والدارسين لهذا العلم، وذلك على مر العصور، لما للتربية من أهمية بالغة في حياة الشعوب والمجتمعات الإنسانية ككل، إذ تعتبر وسيلة أساسية من وسائل البقاء والاستمرار، فهي ضرورة اجتماعية تهدف إلى تلبية احتياجات أبناء وبنات مجتمع من المجتمعات، كما أنها ضرورة فردية لما تحمل في طياتها من تقنيات ومهارات، تساعد الفرد نفسه على تكوين شخصيته وصقل قدراته وثقافته ليكون في تفاعل دائم مع المجتمع الذي يعيش فيه، وذلك من أجل أن يسهم بفعالية في تحقيق الانسجام داخل المجتمع نفسه.

 فإذا أردنا أن نمتلك زمام الأمر، فلابد أن ننفتح على تعريفات التربية سواء القديمة منها أو الحديثة، من بين تعريفات التربية، نذكر تعريف الفيلسوف اليوناني أفلاطون:(427-347 ق.م):”إن التربية هي أن تضفي على الجسم والنفس كل جمال وكمال ممكن.”.

من هنا يتبين لنا أن أفلاطون ينظر إلى التربية باعتبارها إضافة تجعل الإنسان يسلك السبيل نحو الارتقاء بذاته، من خلال إصلاح مكامن الخلل وتقوية نقاط القوة في الشخص ذاته، فيما يلي نمر على تعريف المفكر الكبير رفاعة الطهطاوي (1801-1873) الذي يقول إن : (التربية هي تنشئة الفرد، قوي البدن، حسن الخلق، صحيح التفكير، محبا لوطنه، معتزا بقوميته، مدركا واجباته، مزودا بالمعلومات اللازمة له في حياته).

من خلال تحليلنا لتعريف التربية حسب المفكر الكبير رفاعة الطهطاوي؛ يتبين لنا أنه يربط التربية بالتنشئة الاجتماعية، ولما بينهما من ترابط وانسجام، بحيث يعتبر أن التربية فعل يستهدف هذا الفرد ليجعله كما يريده المجتمع في صورته المثالية المتعالية عن الواقع، في نفس الصدد، نستحضر كذلك تعريف هربرت سبنسر(1820-1903):(التربية هي إعداد الفرد ليحيى حياة كاملة)،

من خلال تحليل بسيط لهذا التعريف الأخير؛ يتضح لنا أن فعل التربية هو مجموعة من العمليات المتناسقة والمنسجمة فيما بينها من أجل إعداد وصناعة فرد جديد، وجعل هذا الفرد يندفع نحو طلب الارتقاء والكمال، كذلك نالت التربية استحسانا في الفترة الحديثة، أدى إلى إنتاج تعريفات جديدة أكثر ملاءمة للواقع الحديث، حيث نجد البعض يعرف التربية على أنها:( عملية التكيف أو التفاعل بين الفرد وبيئته التي يعيش فيها)، من خلال تجزيئ هذا التعريف، نستكشف أنه ينطوي على مفهوم التكيف باعتباره ظاهرة اجتماعية تستدعي أن يمتلك الفرد مجموعة من الوسائل التي تؤهله ليكتشف محيطه ويتفاعل معه من أجل تحقيق التأقلم المطلوب.

وهناك من الباحثين من ذهب بعيدا، وعرّف التربية على (أنها العمل المنسق المقصود الهادف إلى نقل المعرفة، وخلق القابليات، وتكوين الإنسان، والسعي به في طريق الكمال من جميع النواحي وعلى مدى الحياة)، من خلال قراءتنا الأولى لهذا التعريف، يتبين لنا أنه يعتبر فعل التربية فعلا مساعدا ومقصودا في ذاته، يهدف إلى خلق معرفة خاصة ومن ثمة إلى صناعة واقع خاص، في حين إذا تأملنا تلك التعريفات التي سبق الحديث عنها، يتبين لنا أنها تعريفات تنطوي على قدر كبير من المثالية، وكلها تهدف إلى إبراز دور التربية في المجتمع رغم اختلافها وتعددها، وبطبيعة الحال فالتربية عامل مهم وأساسي في تحقيق التوازن البيئي، وذلك من خلال؛ التربية البيئية التي تعمل على تثقيف الفرد وتوعيته في تعامله مع البيئة والوسط الخارجي الذي يعيش فيه، كذلك فهي لبنة أساسية في طريق تحقيق التماسك الاجتماعي من خلال توحيد الاتجاهات الفكرية في المجتمع لخلق وحدة فكرية تؤدي إلى تقوية تماسك المجتمع وانسجامه

 يعتبر علم التربية من أقوى العلوم التي تساعد على بناء الفرد وتحقيق انسجام بينه وبين المجتمع الذي ينتمي إليه؛ فمن بين أهداف التربية هي خلق مواطن صالح، حيث تهتم بالوصول إلى التوازن بفكر الإنسان وانفعالاته و أخلاقه ليكون مواطنا صالحا متفقا مع نفسه ومع مجتمعه، و كذا من خلال نقل الأنماط السلوكية من الآباء إلى الأبناء من دون أي تغيير، وهذا ما نجده جليا في الحضارات القديمة مثل حضارات الصين والهند ومصر، التي كانت تأخذ فيها التربية منحى محافظا يهتم بالعادات والتقاليد، في حين نجد أن من أهداف التربية تمليك الفرد مجموعة من المهارات والقدرات التي تؤهله للانخراط في المجتمع بشكل إيجابي وجعله متكيفا مع بيئته ومحيطه الاجتماعي، كما أنها تعمل على صقل شخصيته وتهذيبها في اتجاه التحسين والتطوير المستمر.