بطش الجبابرة

175

من وسط قمع وبطش الجبابرة انطلقت شرارة الثورة، ثورة قلبت كل الموازين وزعزعت أسس وركائز الدولة، ابتدأت كحملات تنديدية رافضة لمختلف أشكال الإقصاء المجتمعي والتهميش الطبقي، مطالبة بتوفير أبسط وسائل العيش الكريم التي تحفظ لكافة المواطنين ماء وجوههم، إنها انتفاضات سرعان ما تحولت إلى ثورات، كان المحرك الرئيسي فيها عدم امتثال السلطة المتمثلة في شخص الرئيس لمطالب الشعب، واعتماده لسياسة الترهيب والتخويف والقمع، سياسة كان من المفترض أن تأتي أكلها وتضبط الحشد وتعيد زمام الأمور إليه – أي أن تعيد الأمور إلى سابق عهدها وتبقيه متربعا فوق كرسي السلطة – إلا أن الأحداث تطورت تباعا وبشكل متسارع فأصبح من الصعب التحكم فيها أو العودة منها، إنها خطوة حاسمة أقدمنا عليها غافلين عن جهها المظلم وعما تخفيه، خطوة كانت نحو المجهول و لم يكتب لنا منها الرجوع.

لم يكن من السهل بما كان التأقلم مع الأوضاع الجديدة، كيف نتأقلم وقد أصبح البلد برمته ساحة استعراض لمختلف الأسلحة منها الكيماوي والمدفعي وغيرها كثير، لم لا وهم من تفننوا في أسلحتهم قصد إخضاعنا، فجعلونا كفئران تجارب يلاحظ من خلالنا مدى نجاعة أسلحتهم وفعاليتها، بربكم كيف أمكننا التأقلم أو العيش في ظل هذه الأوضاع، في ظل وطن نهش أرواح وأجساد أبنائه حتى أحرق بالبلد الأخضر واليابس.

قد يكثر الكلام والحديث لكنه لن يوصل ولو جزءا بسيطا مما مررنا به، فنحن من كنا طيلة الوقت نتخبط بين الحيرة والهلع، لا نعلم ما الحل أو ما العمل، نحاول أن نداري هول الفاجعة عن صغارنا، مداراة باءت كلها بالفشل، فحتى لو عجز اللسان عن البوح أو التصريح بما يجول في الخواطر والنفوس، أبت العيون عن السكوت، ففاضت بما في جعبتها من صور جُسدت كلها على هيئة دمع ملأ الجفون. كيف نخفي خوفنا ونحن لا ندري أسنكون فاقدين أم مفقودين؟ كيف لا نخاف وصور المجازر لا تزال تتوسط أعيننا؟ وكل واحد منا قد فقد قريبا، أو صديقا أو عزيزا …؟ كيف لا نخاف ونحن لا ندري أَسَتَمُر علينا الليلة بسلام أم سنصبح كجثث متناثرة تحت أنقاض بيت هديم، بيت هدم فوق رؤوسنا ونحن نغط في نوم عميق.

على العموم، قصتنا لم تختلف مجرياتها كثيرا عن قصص باقي الشعوب والدول التي انتشرت بها ثورات ما يعرف بالربيع العربي، ربيع لم يكتب له الزهور فكان باردا وقاسيا أكثر من العادة، ربيع شاءت الأقدار أن تجرف وديانه سيول الدم وأحلام الموتى عوض مياه الغيث وبركة السماء، ربيع أتى خريفه سريعا، أتى قبل الأوان متوعدا الجميع بفترة طويلة تسودها ملامح الصدمة والانكسار.

هذا الخريف البئيس أطال المبيت ولم يشأ الرحيل، فكان مع كل يوم جديد، يُظهر للسطح أحداثا تحكي عن موت الضمائر وتحجُّر القلوب، مُعلنا بذلك عن قرب الفاجعة وضرورة الرحيل، مع طول محاولات الصمود والتشبث بالبقاء، إلا أن الحل لم يكن بين أيدينا فالموت أصبح يتربص بنا من كل الجوانب والنواحي أكثر من تربص الحياة بحد ذاتها، يصبح الرحيل بذلك ضرورة حتمية مستعجلة، فأي تأخر قد يؤدي بحياة أحدنا إلى التهلكة، وما كانت الروح بمستعدة بعد لخسارة جديدة.

مقالات مرتبطة

نعم، لقد عزمنا الرحيل كرها وليس طوعا، فما كان منا إلا حمل بعض اللوازم الخفيفة والحقائب الممتلئة نصفها بما قل من الأطعمة التي قد تقلل من جوعنا خلال فترة مسيرنا، ومع أول نور وصل من أشعة الشمس ليداعب النوافذ المكسورة أخلينا منزلنا تاركين فيه ماضينا وأيامنا الخوالي، لقد كانت تلك آخر النظرات التي ألقيها عن كثب لمنطقة منشئي مودعا إياها لآخر مرة، كانت نظرات ملأى بالأحاسيس أبكت عيني وأدمت قلبي، إلا أنني سرعان ما تمالكت نفسي محاولا الصمود فدموع الرجال في عالمنا العربي وصمة عار وضعف تكبلنا وترافقنا إلى حين مماتنا، وكأن الدمع يا سادة حكر على النساء وكأننا نملك قلوبا من حجر لا تشعر ولا تحس. لم أعلم وقتها أن ذاك الإحساس الذي لطالما تعمدت إخفاءه ومداراته، سيختفي من حياتي رويد رويدا إلى حين أن يندثر، أولى تجاربه كانت مع قدماي اللتان لم أعد أشعر بهما جراء كثرة المسير وسوء الطرقات التي سلكناها خوفا من أي حصار، ناهيك عن قلة الراحة وانعدام النوم، حالة استمرينا عليها لما يقارب يومين ونصف، لتتوج بعدها بالتحاقنا بطوفان من المهاجرين الذين يعانون في صمت، لم تفرق حالنا عن حالهم في شيء فكلنا نعاني المرار في درب المجهول، في درب بحثا عن وطن جديد ينتشلنا من أزمتنا ويخرجنا من دوامة مآسي أقحمنا بها ولم نعلم بعد طريق الخلاص.

السبب الوحيد لتشبتي بهذه الحياة كان نظرات طفلتي الصغيرة التي لم تتمم بعد شهرها السابع، طفلتي الأولى التي لم يكتب لي معرفة طعم الأبوة معها ولم يكتب لها هي الأخرى أن تعيش طفولتها في موطنها ومسقط رأسها، لقد كانت مثالا حيا لذلك النور الخافت الذي ينير آخر النفق، بالرغم من عجزي وقلة حيلتي إلا أنني تحملت الصعاب لأجلها، فما ذنبها تلك المسكينة لتعاني ولم يكن لها أي دخل فيما حصل، أذنبها أنها خلقت في وطن جريح؟ أم ذنبها أنها ابنة إنسان أبى أن يبقى في رحم وطنه ذليلا وأسيرا؟

لقد كان أكبر طموحاتنا وتطلعاتنا وقتها أن يستقبلنا بلد ما، لا تهم أوضاعه الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية فكلها أهون من أوضاع بلادنا، أردنا فقط بلدا يحتوي ضعفنا علَّنا نعيد فيه لملمة جراحنا، ونعيد فيه بناء أنفسنا المكسورة مما تبقى منا من فتات، علها تكون بذلك بداية جديدة لحياة مختلفة عن سابقتها، إلا أنه وفي ظل الأخبار المتضاربة تارة والمتطابقة تارة أخرى، كنا نتخبط كمن تتقاذفه أمواج البحر، كمن أغمضت عيناه وأدخل في متاهة، ترانا نملأ قلوبنا بالأمل مرة واليأس مرات عدة، فمهما بلغ تجدر الإيمان بالقضاء والقدر في قلوبنا إلا أن الشك وجد طريقه لينسل إليها، فلو استمعت إلى ما تخفيه القلوب من خبايا لوجدتها تفصح في سرها عن أحاديث مطولة يتوسطها عتاب لله، عتاب مصحوب ومرفوق بأحاديث استغفار ومناجاة وطلب للصفح والسماح.

أوضاعنا المزرية هذه استمرت لأشهر كثيرة، ليأتي بعدها الفرج والخلاص بدون ميعاد، فيقلب دموع الأسى والحزن إلى دموع فرح، دموع انهمرت كالسيول من أعيننا بدون سابق إنذار عندما تم إبلاغنا أننا أصبحنا داخل نفوذ بلد آخر، بلد أمكننا فيه تنفس الصعداء، وإزاحة كل ذلك الحمل الذي أثقل كاهلنا لفترة طويلة، الآن بإمكاننا عيش حياة جديدة، صحيح أننا لا نعلم ما ستخفيه لنا من عراقيل وحواجز إلا أنها ستكون في كل الأحوال أفضل وأهون مما عايشناه، وبهذا أكون قد ختمت قصتي ها هنا، مقفلا باب الماضي الذي آمل ألا أعيد قرعه مرة أخرى مهما بلغ الحنين إليه أوجه، فأنا من اخترت بإرادتي فتح كتاب جديد أخط فيه وقائع جديدة وأحلاما أتطلع فيها لمستقبل أرحم، مستقبل لا مجال فيه للمعاناة ولا مكان فيه لبطش الجبابرة.