وشم اعتذار على ذاكرة أحلام…

365

اعذريني يا سيدتي..سيدة المجاز..سيدة الشاعرية..سيدة الرمز الواضح..اعذريني إن تطفلت يوما على شخصك الكريم واعتبرت كتاباتك ضربا من عُقد النقص والدونية..

لم أكن أعتقد حقا أن وريد قلمك ينبض بحب الوطن..بذاكرة الجسد.. بفوضى الحواس..وبوجع نسيان حب القلوب وقنابل الحروب..

لم أكن أعتقد أن مجازك الذي استطاع تكسير المعنى الحقيقي يستطيع كسر كل الأقاويل.. كل الأساطير.. كل التقاليد وكل الخرافات التي تحاول أن تحط من قيمة الكاتبة لمجرد أنها امرأة، ولمجرد أن مدادها كان بنزينا لحرق الذكورة النافشة ريشها بزهو الديكة..

لم أخمن أن اسمك الذي لطالما لم يثر فضولي يوما يحمل كل هذه المعاني..لم أعتقد أنك نسخة طبق الأصل لاسمك وتمثلينه حد الرؤيا وليس حد الحلم فقط.. أحلام مستغانمي هذا هو اسمك بكبرياء وصمود ألفه وبيانه.. وحياة وحذقة حاءه وصياغته.. ولمعان وليونة لامه وأسلوبه..

حقا أعمالك تستحق أن نصفق لها بنفس الحرارة والدهشة التي نتعامل بها مع أعمال مصطفى لطفي المنفلوطي أو نزار قباني أو محمود درويش..مزجت بين الشعر والأدب بذكاء عالم فيزياء وجد تفاعلا كيميائيا من خلال مزج محاليل مختلفة عجز باقي الفيزيائيين والكيميائيين عن إيجاده.

انتهيت اليوم وبصعوبة من قراءة روايتك ذاكرة الجسد، فلقد توقفت عندها كثيرا وأخذت مني وقتا أكثر مما تأخده مني رواية حديثة أخرى، فدون غيرها كنت أعيد التمعن في كل صفحة من صفحاتها..أعيد الغوص والعوم في بحر بلاغتها صورها، وتشبيهاتها، واستعارتها، وكناياتها، وترادفها، وطباقها، وتناقضاتها وانسجامها..كالمفعول المطلق أخدتني أخذا..وجذبتني جذبا..وكالمفعول معه سهرت وذاكرتك..وكالمفعول به جعلتني روايتك خارج الزمن..

“ذاكرة الجسد” هي أول رواية لك والتي تم نشرها في 1993 جعلتني فيها أشعر بدهشتك الأولى بعد قرار الكتابة..جعلتني أبحر في محيط حيرتك..وأشرع سفينتي تحسبا للتقلبات النفسية لأبطال روايتك..

 

 

مقالات مرتبطة

أبطال روايتك الذين تفننت في رسمهم كما لو كنت أنت خالد الرسام الذي أوكلت له مهمة سرد الأحداث..أو كما لو كنت بيكاسو أو دالي أو سيزن- ممن ذكرت-.. أو أي رسام آخر له فلسفة يتبناها..تجدها في رموز لوحاته وربما في تفاصيلها أو حتى في نوع ودرجة الإنارة الموجهة إليها.. من يقرأ روايتك هذه سيكتشف ولعك بالفن..ولعك باللوحات..لذا أبدعت في رسم الشخصيات فقد اختزلت في خالد مفهوم الوطن بلون الثورة..بلون الكفاح..بلون دماء الشهداء ومعطوبي الحرب..اختزلت فيه الحب بلون الوفاء والإخلاص..والذاكرة بسوادها وبياضها..بأوجاعها وأفراحها..بمجافاتها وأشواقها.. أوجزت في شخصه شرفاء الوطن..أصحاب المبادئ والقيم الذين لم يقدموا ولاءهم لأولياء النفوذ والسلط واختاروا أن يكونوا هم أولياء الوطن..حماة العرض والشرف..خالد الذي جعلته يختار أن يرسم جسور قسطنطينة المعلقة بحيرة وخوف بين الصخور على أن يرسم مغريات وملذات باريس..اخترت له وسيلة دفاع أخرى عن الوطن بعدما فقد في سبيله ذراعه اليسرى فأرغمته باسم حب الوطن مجددا أن يحمل الريشة ويبقى أسير ذاكرة بلاد لم تعد كبلاده..

(حياة) حبيبة خالد جمعت فيها بين لون التحرر الذي يتطلبه العصر وألوان القيود التي تفرضها التقاليد والعادات..وعن طريق جينات الكلمات والمفردات أصبنا بعمى الألوان فأصبح كل منا يرى شخص حياة بلون غير الذي يراه الآخر فمن منا على صواب؟ من منا يرى الحقيقة ومن منا يرى الوهم؟

لماذا تخلت عن حب خالد وذكرى زياد واختارت رجلا نافذا دون أن تعارض قرار عمها في تزويجها له؟ لقد اخترت أن تجسديها جسرا معلقا أو ربما لغزا عالقا داخل لوحتك..أو ربما لأنك اخترت لروايتك رؤية سردية داخلية، كان خالد ساردا مشاركا فيها وقدم فقط ما استطاعت أن تقدمه حياة بنفسها وعن نفسها لا أكثر..

اكتفيتُ برصد هاتين الشخصيتين فقط لأنك خلقت منهما الذرة الأساس لتيار فني ديالكتيكي..يقوم على وحدة الوجع وصراع العواطف والمواقف والرؤى..

“نزار قباني أصاب في تعبيره حين قال إن روايتك دوخته وإنها رواية مكتوبة على كل البحور..بحر الحب وبحر الجنس وبحر الإيديولوجية وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها ومرتزقتها وأبطالها وقاتليها، وملائكتها وشياطنيها، وأنبيائها وسارقيها..

روايتك يا سيدتي حملت تناقضات وجودية وفلسفية كبرى استطعت وبقدرتك الرهيبة في تطويع اللغة أن تشكليها عجينا لينا لتخبزه لنا دار الآداب..ويعرض هكذا شهيا مستطابا..

ذاكرة الجسد جمعت فيها بين الموت والحياة..الحب والكراهية..الحرب والسلم..الحقيقة والوهم..الذاكرة والنسيان..الماضي والحاضر..الوفاء والخيانة..الصمود والخنوع..الحرية والعبودية…

ذاكرة الجسد هي ذاكرة الوطن الجزائري..وجع شعبه..وصمود أهله..

اعذريني سيدتي واعذري النقاد الذين ذهبوا مذهب أن الشاعر نزار قباني هو من كتب ذاكرة الجسد وليس أنت.. اعذريهم  لأنهم لم يروا من قدرات النساء شيئا..