أفكار العودة وأعداؤها

267

كل فكرة تفترض أعداء لها بشكل ضمني، في منطقها قبل أن يصرح أصحابها بها.. وإن لم يصل الأمر إلى العداوة فهم على الأقل خصوم. ويشكل الحديث عنهم جزءا قارا من الخطاب.

ففكرة العودة للسنة، تفترض أن أعداءها هم مسلمون مخالفون للسنة أي “مبتدعة” في نظرها..
وفكرة العودة للقرآن، تفترض أيضا أن خصومها هم مسلمون مفرطون في القرآن… وقليلو الصلة به…

وفكرة العودة للعقل، أو العودة للمقاصد، تفترض أن خصومها هم جامدو الفهم، متمسكون ب”حَرفية النص” دون إدراك ل”مقصد التشريع”.

والغريب أن كل هاته الأفكار، لا تستطيع بحكم صياغتها أن تجرد عدوا من خارج المسلمين!
فالخصم دائما مسلم مقصر في هذا الجزء الذي تركز عليه الفكرة..

تتطور الخصومة في المنطق الضمني للأفكار، إلى تحميل الخصم مسؤولية تخلف الأمة وانكساراتها، فالمفرط في السنة أو القرآن أو العقل هو سبب الكوارث المتلاحقة…

تتشكل مفاهيم السنة، والقرآن والمقاصد لتأخذ معان وصورة محددة في أذهان معتنقيها، فالسنة تعني الاقتداء بكل ما ورد من آثار نبوية شكلا ومضمونا، والإقبال على علم الحديث، والقرآن يعني التمسك بقراءته وتدبره، والمقاصد تعني قراءة جديدة مناسبة للعصر – الذي أصبح المسلمون فيه أكثر ضعفا – قراءة أكثر مرونة مع الواقع…
تترسخ هذه الصورة في وجدان متبنيي هاته الأفكار كما تصبح أساسا للتفسير… ولكن هل لهذه التفسيرات مصاديق في الواقع؟
لنأخذ بعض الأمثلة:
هل احتلت فلسطين لأن الأمة فرطت في السنة عامة أم في أحكام الجهاد وما يتعلق بها من سيادة واستقلال؟
وهل تفقد الأمة من شبابها المنزلقين في هوة الأفكار الأجنبية والعدمية، لأن هؤلاء الشباب لا يقرؤون السنة، أم لأنهم لا يقرؤون الدين أصلا، عقيدة وشريعة وتربية…
وهل يتقدم الاستيطان قدما الآن لأن الامة لا تقرأ القرآن أو لا تفهمه بشكل مقاصدي، أم لأنها لا تطبق آياته المتعلقة بموالاة المؤمنين لبعضهم البعض، والأحكام الناتجة عنها.
وهل يختلف الأمر إذا التزم المسلمون بالحكم واختلف المصدر؟

إذا أخذ المسلمون هذه الأحكام كحكم شرعي واجب الاتباع من العلماء سواء كان منصوصا عليه في القرآن أو السنة أو القياس*… أو قرؤوه في أحد هذه المصادر، هل العبرة في التطبيق أم في مجرد القراءة؟
هل يعد الأعاجم المطبقين لهذه الأحكام بإخلاص دون احتكاك بالمصادر سببا في تخلف الأمة؟ هل يشترط الاحتكاك بهذه المصادر للالتزام بالدين، وهل يصدق – بناء على أفكار العودات والاتصال المباشر بهذه المصادر – أن نحمل العاملين بهاته الأحكام، الأعاجم القليلو المعرفة بالقرآن والسنة أصلا، مسؤولية فشل هذه الأمة وهم أحيانا في مقدمة المدافعين عنها؟

إن هاته الافكار تبدو قاصرة جدا في تقديم تصنيف حقيقي للمنتمين للأمة ولخصومها…
وإن التصنيف الأبلغ هو التمسك بأحكام الشريعة الظاهرة والباطنة، وفي هذه المنظومة المركبة، وبالأولويات التي تتضمنها الشريعة يمكننا أن نصنف مدى القرب، والانسجام، أو البعد -الخصومة- عن الإسلام..
فالإنسان يقترب أو يبتعد بمقدار ما يعبر عن الشريعة بقضاياها وميزانها.
ويكون حينها الذي يحارب الشريعة والإسلام ولا ينتمي إليه جملة أشد خطرا من سواه، وهكذا لا يصبح المسلمون أشد خطرا على الإسلام بالضرورة،
وهكذا يمكن أن نستعيد ميزان حقيقيا وصحيحا، قوامه الالتزام بالأحكام لا مجرد ادعاء الارتباط بالمصادر. فالأحكام هي مناط التكليف وهي متعددة المصادر، أما المصادر فدالة عليها وفق منطق علمي متخصص، وبيان الأحكام لعامة المسلمين والالتزام بها هو الأهم.

لفعل ذلك يتحتم علينا أن نتخلى عن هذه الشعارات الجزئية: العودات، فهي شعارات تبسيطية ثبت ضررها وقصورها، وأن نحتفظ بشعار واحد: العودة إلى الإسلام، {هو سماكم المسلمين من قبل}.

*قرأت المقال على أحد العلماء الفضلاء، وأضاف حجة أخرى على صحة ما ذهبت إليه أن هناك أقيسة في الشريعة الاسلامية أقوى من ظني القرآن أو السنة، وأن هذا لا يفهمه المتمسك بفكرة العودة لمصدر واحد.