غريب عني!

310

في عصر ما بعد الحداثة الذي نعيشه، عصر طغيان الرأسمالية، وتغول “الأنا”، في عصر اللاتوقف، صرنا لا نشعر بأنفسنا إلا وقد وصلنا لمرحلة غربة بيننا وبين أنفسنا، تلك المرحلة التي يشعر فيها المرء أنه غريب عن نفسه وأن نفسه صارت تنفرط منه دون أن يجد سبيلا لاسترجاعها.

في الحقيقة وقبل أن نطرح “وصفة” لاسترداد هذه النفس يجب أن نُقَعِّد لأمر مهم: وهو أنه لا بأس أن نسلِّم لهذه المرحلة، أن نسلم لها لا أن نستسلم. نسلم لها بأن نتقبل قابلية وإمكان وحقيقة وقوعها بالفعل، ولا نشعر بالسخط عليها، سخطا يقود غالبا إلى جلد الذات والغرق في دور الضحية بدل التعامل العملي والإيجابي مع هذه المرحلة حتى نخرج منها بإنجازات قد تكون مؤثرة في تكوين شخصياتنا مستقبلا.

وهنا يحضرني حديث جليل، من أجمل ما قيل في هذا الباب، وهو ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)).

إذن، التسليم لهذه المرحلة يعني أن تتعامل معها على أنها أمر واقع يجب التعامل معه، والتسليم غير الاستسلام، فالتسليم هو إقرارك بالأمر مع عدم الخضوع ـ بالضرورة ـ له، أما الاستسلام فهو إنكارك له نفسيا وانهزامك أمامه داخليا، فيستحوذ عليك ويملك عليك أمرك بدل أن تكون أنت المتعاليَ عليه.
من التسليم لهذه المرحلة أيضا هو أن تسمح لنفسك بأن تعيش بعض المشاعر التي لا يستثيرها إلا مثل هذا السياق.
إن خوف الناس من المشاعر التي يسمونها “سلبية” يوقعهم في سَلب آخر، وكما يقال: (خوف الذل: ذل!).

من فنون التعامل مع النفس البشرية أن ندعها أحيانا تختبر ما قد يبدو للوهلة الأولى مؤلما، هذا لا يعني أن يدع الإنسان نفسه للحزن والقلق، لكن أن يمنح نفسه مساحة حرية تعايِش فيها هذه المشاعر، ويكتفي بأن يكون مع نفسه في هذه المرحلة كالوالد المصاحب، الوالد الذي يدع لابنه مساحة لاستكشاف أشياء جديدة دون أن يتدخل، لكنه مع ذلك يراقبه، حتى إذا ألمّ به خطر مدّ له يد المساعدة…كن لنفسك كالوالد، تدع لها مساحة حزن وانطواء، لكن إذا رأيتها استمرأت الأمر وأوشك هذا الحزن أن يصير لها حالا دائمة…مُدَّ لها يد العون وانتشلها مِمَّا هي فيه.

كذلك من البديهيات التي يجب أن لا تغفل عنها في هذه المرحلة، هي أنك لست المبتلى الوحيد على وجه الأرض!
هذه الحقيقة على بساطتها يغفل عنها كثير من الناس عندما يصلون إلى “مفترق الطرق” الذي نحن بصدد الحديث عنه.
إذا عرفت هذه الحقيقة البسيطة التي ذكرتها لك آنفا، توقفت تماما عن الكربلائيات، وليالي الحزن الطويلة، والعزف على أوتار الغربة، والوحدة، ودراما الاكتئاب، وجلد الذات ولعب دور الضحية!.

أسوء مرحلة يمكن أن يصل لها الإنسان هو أن يتخذ الغم ديدن حياته، والعجز عملا له في ذاته!
يجب أن تعلم أنه ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء ـ إلا الموت ـ، وما دمت لم تمت فأنت محاسب على كل دقيقة عجز كان بإمكانك أن تقوم منها وتواجه الحياة، تواجهها مواجهة القوي في وجهها، الغني عنها، فلا داعيَ أن تقبُر نفسك قبل أوانها ما دام في العمر بقية!

من “خطوات العلاج” كذلك، هو ألا تتجاهل هذه الفترة عندما تصل إليها، عندما تشعر أنك مشتت الذهن، ومسلوب الإرادة، وضعيف العزم وخاوي القلب…لا تتجاهل وتمر كأن شيئا لم يكن، مهما كان الحل صعبا ومؤلما في نظرك، فلن يكون أكثر إيلاما من الجرح الذي ستدعه في نفسك بفعل طعنة التجاهل!
إن مما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وإن لنفسك عليك حقا)) هو أن تحترم هذه النفس، وتتعلم محاورتها، وبناء صلة محترمة وناضجة معها!.

مما يُقْعِدُ الناس عن التعامل مع هذه الفترة كذلك: رهبة التغيرات الجذرية، ورعب التحوّل الشامل والجهد الكاسح؛ والحقيقة أن لا أحد طلب منكَ أن تغير حياتك جذريا، وأن تصير إنسانا جديدا في طرفة عين، بل العكس هو المطلوب، المطلوب أن تتعامل مع نفسك على أنها في فترة تأهيل، فتلاطفها، وتستقطع لها وقتا يسيرا من يومك تحاورها وتحاول أن تعلم ما بها.
ضع قائمة بالأشياء البسيطة التي كانت تسعدك ولكنك لم تعد تقوم بها ـ لسبب من الأسباب ـ ثم اختر منها شيئا واحدا فقط أو شيئين، ولا تزد، ثم حاول أن تدخل هذا “الشيء” في روتينك اليومي، هذه الخطوة البسيطة كفيلة بأن “تنعش” يقظتك لنفسك، وتردك لما كنت حِدت عنه، حتى تبدأ تستقيم.

أخيرا: استعن بالله ولا تعجز!
بدايتك الجديدة تكمن دائمًا في جثوة على الركبتين ورفع لليدين، الأولى تضع عنك أغلال العظمة والتكبر الأجوف، وتردك لموضعك عبدًا ضعيفًا محتاجًا، والثانية ترقى بك لسماء لا تغلّق أبوابها في وجهك مهما بعدت، وتصلك بمعين قوة، وعون لا ينضب مهما استزدت.
إن أكبر منافذ التعجيز والتخاذل أن تشعر أنك غير قادر على الحمل وحدك، ونسيت أنك من البداية لم تؤمر بالحمل وحدك، وقد خلقت ضعيفاً، وإن أول منافذ القوة والعزم دائمًا في ذلك المفترق وغيره، في كلمتين: “يا رب”.